قال وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له ورآه من تعظيم عيده وعونا له على كفره ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا أدما ولا ثوبا ولا يعارون دابة ولا يعانون على شيء من عيدهم لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم أعلمه اختلف فيه . هذا لفظه في الواضحة . وفي كتب أصحاب أبي حنيفة من أهدى لهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم العيد فقد كفر .
يجوز أن يكون بالراء المهملة من المجاورة أي بيع الخمور بحضرتهم ولا تكون الخنازير مجاورة لهم ويجوز أن يكون بالزاي المعجمة أي لا نتعدى بها عليهم جهرة بل إذا أتينا بها إلى بيوتنا أتينا بها خفية بحيث لا يطلعون على ذلك والمعنيان صحيحان وذلك يتضمن إخفاء الخمر والخنزير فيما بينهم وألا يظهروا بهما بين المسلمين كما لا يظهرون بسائر المنكرات .
يجوز أن يكون بالزاي والراء من المجاوزة والمجاورة فإن كان بالمهملة فالمعنى اشتراط دفنهم في ناحية من الأرض لا تجاور قبورهم بيوت المسلمين ولا قبورهم بل تنفرد عنهم لأنها محل العذاب والغضب فلا تكون هي ومحل الرحمة في موضع واحد لما يلحق المسلمين بذلك من الضرر . وإن كان بالمعجمة فهو من المجاوزة وعادة النصارى في أمواتهم أنهم يوقدون الشموع ويزفون بها الميت ويرفعون أصواتهم بقراءة كتبهم وقد منع جماعة من الصحابة أن تتبع جنائزهم بنار خوفا من التشبه بهم . وعلى رواية الزاي المعجمة فليس لهم أن يحملوا أمواتهم في أسواق المسلمين ولا في الطرق الواسعة التي يمر بها المسلمون وإنما يقصدون المواضع الخالية التي لا يراهم فيها أحد من المسلمين . قال أبو القاسم الطبري إن كانت الراية بالزاي فهو صريح في المنع من جواز جنائزهم على المسلمين . قال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يشبه معنى هذا فيما أخبرنا محمد بن عبدالرحمن حدثنا أبو بكر بن أبي بكر داود ثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع بن مالك عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رب جنازة ملعونة ملعون من شهدها . قال فهذه جنائز أهل الذمة . قال وإن كان بالراء المهملة فهو أنهم يمنعون من الدفن في مقابر المسلمين . قال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم مع مشرك قيل لم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ترآى ناراهما قلت الحديث رواه +أبو داوود في السنن . +
أي لا نبيعه ظاهرا بحيث يراه المسلمون إذ بيعه ظاهرا من المنكر العظيم وكذلك نقله من موضع إلى موضع في دار الإسلام في البلد وخارج البلد . قال أبو القاسم الطبري وقد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما في هذا تغليظ في خرق متاعهم وكسر أوانيهم .
ثم ذكر من طريق أبي عبيد ثنا هشيم ومروان بن معاوية حدثني عن إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث ابن شبيل عن أبي عمرو الشيباني قال بلغ عمر أن رجلا من أهل السواد قد أثرى في تجارة الخمر فكتب أن اكسروا كل شيء قدرتم عليه وشردوا كل ماشية له . قال أبو عبيد وثنا مروان بن معاوية ثنا عمر المكتب ثنا حذلم عن ربيعة بن زكار قال نظر علي إلى زرارة فقال ما هذه القرية قالوا قرية تدعى زرارة يلحم فيها ويباع الخمر فقال أين الطريق إليها قالوا باب الجسر قال قائل يا أمير المؤمنين خذ لك سفينة تجوز فيها قال تلك سخرة ولا حاجة لنا في السخرة وانطلقوا بنا إلى باب الجسر فقام يمشي حتى أتاها فقال علي بالنيران أضرموا فيها فإن الخبيث يأكل بعضه بعضا فأضرمت في عرشها .
قال وقد قضى ابن عباس أيما مصر مصره المسلمون فلا يباع فيه خمر . قال أبو عبيد وإنما معنى هذه الأحاديث أن يكون في أهل الذمة لأنهم كانوا أهل السواد حينئذ . وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عماله أن لا يحمل الخمر من رستاق إلى رستاق .
هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به فإنه حراب الله ورسوله باللسان وقد يكون أعظم من الحراب باليد كما أن الدعوة إلى الله ورسوله جهاد بالقلب وباللسان وقد يكون أفضل من الجهاد باليد .
ولما كانت الدعوة إلى الباطل مستلزمة ولا بد للطعن في الحق كان دعاؤهم إلى دينهم وترغيبهم فيه طعنا في دين الإسلام وقد قال تعالى ( ^ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ) ولا ريب أن الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف فأولى ما انتقض به العهد الطعن في الدين ولو لم يكن مشروطا عليهم فالشرط ما زاده إلا تأكيدا وقوة .
يتضمن أنهم لا يتملكون رقيقا من سبي المسلمين وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء فمذهب الإمام أحمد أنه إذا استرق الإمام السبي لم يجز بيعهم من كافر ذميا كان أو حربيا صغارا كانوا أو كبارا . وقال أبو حنيفة يجوز بيعهم من أهل الذمة دون أهل الحرب . وقال الشافعي يجوز بيعهم من الفريقين . فأما مذهب مالك فقال في الجواهر إن اشترى الكافر بالغا على دينه لم يمنع من شرائه إذا كان يسكن به في بلد المسلمين ولا يباع لمن يخرج به عن بلاد الإسلام لما يخشى من إطلاعه أهل الحرب على عورة المسلمين .