فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 743

وهذا لأن الكنية وضعت تعظيما وتكريما للمكنى بها كما قال ( أكنيه حين أناديه لأكرمه % ولا ألقّبه والسوأة اللقبا ) وأيضا ففي تكنّيهم بكنى المسلمين اشتباه بالكنية والمقصود التمييز حتى في الهيئة والمركب واللباس . فإن قيل فما تقولون في جواز تسمّيهم بأسماء المسلمين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبدالله وعبدالرحمن وما أشبهها?

قيل هذا موضع فيه تفصيل فنقول الأسماء ثلاثة أقسام الأول قسم يختص المسلمين والثاني قسم يختص الكفار والثالث قسم مشترك . فالأول كمحمد وأحمد وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فهذا النوع لا يمكّنون من التسمّي به والمنع منه أولى من المنع من التكني بكناية المسلمين فصيانة هذه الأسماء عن أخابث خلق الله أمر جسيم . والثاني كجرجس وبطرس ويوحنا ومتّى ونحوها فلا يمنعون منه ولا يجوز للمسلمين أن يتسمّوا بذلك لما فيه من المشابهة فيما يختصون به . والنوع الثالث كيحيى وعيسى وأيوب وداود وسليمان وزيد وعمر وعبدالله وعطية وموهوب وسلام ونحوها فهذا لا يمنع منه أهل الذمة ولا المسلمون .

فإن قيل فكيف تمنعونهم من التسمّي بأسماء المسلمين وتمكّنونهم من التسمية بأسماء الأنبياء كيحيى وعيسى وداود وسليمان وإبراهيم ويوسف ويعقوب? قيل لأن هذه الأسماء قد كثر اشتراكها بين المسلمين والكفار بخلاف أسماء الصحابة واسم نبينا فإنها مختصة فلا يمكّن أهل الذمة من التسمّي بها . وقد قال الخلال في الجامع باب في أهل الذمة يكنّون أخبرني حرب قال قلت لأحمد أهل الذمة يكنّون? قال نعم لا بأس وذكر أن عمر بن الخطاب قد كنّى . أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال رأيت أبا عبدالله كنّى نصرانيا طبيبا قال يا أبا إسحاق ثم أخرج إلي فيه بابا . أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم حدثنا إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبدالله يكره أن يكنّى غير المسلم? فقال أليس النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على سعد بن عبادة قال ما ترى ما يقول أبو الحباب? أخبرني محمد بن أبي هارون أن أبا الحارث حدثهم قال سألت أبا عبدالله أيكنّى الذميُ? قال نعم قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسقف نجران أسلم يا أبا الحارث .

أخبرني أحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن يحيى قالا ثنا أبو طالب أنه سأل أبا عبدالله يكني الرجل أهل الذمة? قال قد كنى النبي صلى الله عليه وسلم أسقف نجران وعمر رضي الله عنه قال يا أبا حسان إن كنى أرجو أنه لا بأس به . أخبرني محمد بن علي حدثنا مهنّا قال سألت أحمد هل يصلح تكنّي اليهودي والنصراني ? فحدثني أحمد عن أبن عيينة عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لنصراني أسلم يا أبا حسان أسلم تسلم . قلت ومدار هذا الباب وغيره مما تقدم على المصلحة الراجحة فإن كان في كنيته تمكينه من اللباس وترك الغيار والسلام عليه أيضا ونحو ذلك تأليفا له ورجاء إسلامه وإسلام غيره كان فعله أولى كما يعطيه من مال الله لتألفه على الإسلام فتألفه بذلك أولى وقد ذكر وكيع عن ابن عباس أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب سلام عليك . ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق تبين له حقيقة الأمر وعلم أن كثيرا من هذه الأحكام التي ذكرناها من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة . ولهذا لم يغيرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر رضي الله عنه وغيرهم عمر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأسقف نجران أسلم يا أبا الحارث تأليفا له واستدعاء لإسلامه لا تعظيما له وتوقيرا .

وأما أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحو ذلك فحرام قطعا وفي الحديث المرفوع لا تقولوا للمنافق سيدنا فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم .

وأما تلقيبهم بمعز الدولة وعضد الدولة ونحو ذلك فلا يجوز كما أنه لا يجوز أن يسمى سديدا ولا رشيدا ولا مؤيدا ولا صالحا ونحو ذلك ومن تسمى بشيء من هذه الأسماء لم يجز للمسلم أن يدعوه به بل إن كان نصرانيا قال يا مسيحي يا صليبي ويقال لليهودي يا إسرائيلي يا يهودي . وأما اليوم فقد وفقنا إلى زمان يصدرون في المجالس ويقام لهم وتقبل أيديهم ويتحكمون في أرزاق الجند والأموال السلطانية ويكنّون بأبي العلاء وأبي الفضل وأبي الطيب ويسمون حسنا وحسينا وعثمان وعليا وقد كانت أسماؤهم من قبل يوحنا ومتّى وحنينا وجرجس وبطرس ومار جرجس ومارقس ونحو ذلك وأسماء اليهود عزرا وأشعيا ويوشع وحزقيل وإسرائيل وسعيج وحيي ومشكم ومرقس وسموأل ونحو ذلك ولكل زمان دولة ورجال .

قال الخلاّل باب كيف عنوان الكتاب وكيف يصدر إليهم . أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم أن إسحاق بن منصور حدثهم أنه قال لأبي عبدالله كيف يكتب الرجل إلى أهل الكتاب ? فقال لا أدري كيف أقول الساعة ثم عاودته فسكت فقلت حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين كتب إلى قيصر قال عمن هو? قلت حديث الزهري قال نعم يكتب السلام على من اتبع الهدى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت