وقد ذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج . وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج , فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة , فبعث رجلا معه , وأمره أن يجلس بينهم , ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم"بعاث"! وتلك الحروب . ففعل . فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم , وغضب بعضهم على بعض , وتثاوروا , ونادوا بشعارهم . وطلبوا أسلحتهم . وتوعدوا إلى"الحرة". .
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم , فجعل يسكنهم , ويقول:"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم"وتلا عليهم هذه الآية , فندموا على ما كان منهم , واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم
وكذلك بين الله لهم فاهتدوا , وحق فيهم قول الله سبحانه في التعقيب في الآية:
(كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) .
فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل الله بين المتحابين فيه , القائمين على منهجه , لقيادة البشرية في طريقه . .
هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة , كلما تجمعت على منهج الله واعتصمت بحبله . وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب . كادت ترد المسلمين الأولين كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض . وتقطع بينهم حبل الله المتين , الذي يتآخون فيه مجتمعين . وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق .
على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة . فهي تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة , وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل . والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب , ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم , ومن التفرق كما تفرقوا . . هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة , ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار . .
وهو دأب يهود في كل زمان . وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم , في كل مكان !
فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها . . هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض , ولتغليب الحق على الباطل , والمعروف على المنكر , والخير على الشر . .
هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه , ووفق منهجه . .
فهي التي تقررها الآية التالية: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير , ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر , وأولئك هم المفلحون) . .
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير , وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته . فهناك"دعوة"إلى الخير . ولكن هناك كذلك"أمر"بالمعروف . وهناك"نهي"عن المنكر . وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان , فإن"الأمر والنهي"لا يقوم بهما إلا ذو سلطان . .
هذا هو تصور الإسلام للمسألة . .
إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى . .
سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر . .
سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله . .
سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر . .
وتحقيق هذا المنهج يقتضي"دعوة"إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج . ويقتضي سلطة"تأمر"بالمعروف"وتنهى"عن المنكر . . فتطاع . .
والله يقول: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) . .
فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان . فهذا شطر . أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي , على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية , وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة , وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره , زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب !
والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير , إذا نظرنا إلى طبيعته , وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم , ومصالح بعضهم ومنافعهم , وغرور بعضهم وكبريائهم . وفيهم الجبار الغاشم . وفيهم الحاكم المتسلط . وفيهم الهابط الذي يكره الصعود . وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد . وفيهم المنحل الذي يكره الجد . وفيهم الظالم الذي يكره العدل . وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة . .
وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف , ويعرفون المنكر . ولا تفلح الأمة , ولا تفلح البشرية , إلا أن يسود الخير , وإلا أن يكون المعروف معروفا , والمنكر منكرا . . وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى . .
وتطاع . .
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين:الإيمان بالله والأخوة في الله . لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة , وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة , وكلفها به هذا التكليف . وجعل القيام به شريطة الفلاح . فقال عن الذين ينهضون به: (وأولئك هم المفلحون) . .
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته . فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية . هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير . المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل . والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم . .