و عن خليد أن رجلا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: إنه لا يقتل إلا من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم و لكن اجلده على رأسه أسواطأ و لولا أني أعلم أن ذلك خير له لم أفعل رواه حرب و ذكره الإمام أحمد و هذا مشهور عن عمر بن عبد العزيز و هو خليفة راشد عالم بالسنة متبع لها
فهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و التابعين لهم بإحسان لا يعرف عن صاحب و لا تابع خلاف لذلك بل إقرار عليه و استحسان له
و أما الاعتبار فمن وجوه:
أحدها: أن عيب ديننا و شتم نبينا مجاهدة لنا و محاربة فكان نقضا للعهد كالمجاهدة و المحاربة بالأولى
يبين ذلك أن الله سبحانه قال في كتابه: { و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله } [ التوبة: 41 ] و الجهاد بالنفس يكون باللسان كما يكون باليد بل قد يكون أقوى منه قال النبي صلى الله عليه و سلم [ جاهدوا المشركين بأيديكم و ألسنتكم و أموالكم ] رواه النسائي و غيره
و كان [ صلى الله عليه و سلم ] يقول لحسان بن ثابت: [ أهجهم و هاجهم ] [ و كان ينصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بشعره و هجائه للمشركين ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ اللهم أيده بروح القدس ] و قال: [ إن جبرئيل معك ما دمت تنافح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ] و قال: [ هي أنكى فيهم من النبل ]
و كان عدد من المشركين يكفون عن أشياء ممن يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان حتى إن كعب بن الأشرف [ لما ] ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل البيت هجاهم حسان بقصيدة فيخرجونه من عندهم حتى لم يبق له بمكة من يؤويه
و في الحديث: [ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ] و [ أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل تكلم بحق عند سلطان جائر فأمر به فقتل ]
و إذا كان شأن الجهاد باللسان هذا الشأن في شتم المشركين و هجائهم و إظهار دين الله و الدعاء إليه علم أن من شتم دين الله و رسوله و أظهر ذلك و ذكر كتاب الله بالسوء علانية فقد جاهد المسلمين و حاربهم و ذلك نفض للعهد
الوجه الثاني: أنا و إن أقررناهم على ما يعتقدونه من الكفر و الشرك فهو كإقرارنا لهم على ما يضمرونه لنا من العداوة و إرادة السوء بنا و تمني الغوائل لنا فإننا نحن نعلم أنهم يعتقدون خلاف ديننا و يريدون سفك دمائنا و علو دينهم و يسعون في ذلك لو قدروا عليه فهذا القدر أقررناهم عليه فإذا عملوا بموجب هذه الإرادةـ بأن حاربونا و قاتلونا ـ نقضوا العهد كذلك إذا عملوا بموجب تلك العقيدة ـ من إظهار السب لله و لكتابه و لدينه و لرسوله ـ نقضوا العهد إذ لا فرق بين العمل بموجب الإدارة و موجب الاعتقاد
الوجه الثالث: أن مطلق العهد الذي بيننا و بينهم يقتضي أن يكفوا و يمسكوا عن إظهار الطعن في ديننا و شتم رسولنا كما يقتضي الإمساك عن دمائنا و محاربتنا لأن معنى العهد ان كل و احد من المتعاهدين يؤمن الآخر مما يحذره منه قبل العهد و من المعلوم أنا نحذر منهم إظهار كلمة الكفر و سب الرسول و شتمه كما نحذر إظهار المحاربة بل أولى لأنا نسفك الدماء و نبذل الأمول في تعزير الرسول و توقيره و رفع ذكره و إظهار شرفه و علو قدره و هم جميعا يعلمون هذا من ديننا فالمظهر منهم لسبه ناقض للعهد فاعل لما كنا نحذره و نقاتله عليه قبل العهد و هذا واضح
الوجه الرابع أن العهد المطلق لو لم يقتض ذلك فالعهد الذي عاهدهم عليه عمر ابن الخطاب و أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم معه قد تبين فيه ذلك و سائر أهل الذمة إنما جروا على مثل ذلك العهد روى حرب بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتب لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى أهل الشام: هذا كتاب لعبد الله أمير المؤمنين من مدينة كذا و كذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا و ذرارينا و أموالنا على أن لا نحدث و ذكر الشروط إلى أن قال: و لا نظهر شركا و لا ندعو إليه أحدا و قال في آخره: شرطنا ذلك على أنفسنا و أهلينا و قبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا عن شيء شرطناه لكم و ضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما حل من أهل المعاندة و الشقاق
و قد تقدم قول عمر له في مجلس العقد: [ إنا لم نعطيك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا و الذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن عنقك ] و عمر صاحب الشروط عليهم
فعلم بذلك أن شروط المسلمين عليهم أن لا يظهروا كلمة الكفر و أنهم متى أظهروها صاروا محاربين و هذا الوجه يوجب أن يكون السب نقصا للعهد عند من يقول: لا ينتقص العهد به إلا إذا شرط عليهم تركه كما خرجه بعض أصحابنا و بعض الشافعية في المذهبين
و كذلك يوجب أن يكون نقصا للعهد عند من يقول: إذا شرط عليهم انتقاض العهد بفعله انتقض كما ذكر بعض أصحاب الشافعي فإن أهل الذمة إنما هم جارون على شروط عمر لأنه لم يكن بعده إمام عقد عقدا يخالف عقده بل كل الأئمة جارون على حكم عقده و الذي سعى أن يضاف إلى من خالف في هذه المسألة أنه لا يخالف إذا شرط عليهم انتقاض العهد بإظهار السب فإن الخلاف حينئذ لا وجه له البتة مع إجماع الصحابة على صحة هذا الشرط و جريانه على وفق الأصول فإذا كان الأئمة قد شرطوا عليهم ذلك ـ و هو شرط صحيح لزم العمل به على كل قول