أما غزوة أحد فكانت هجومًا من مشركي مكة على المدينة انتقامًا لهزيمتهم في بدر، ومع هذا تردد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في الخروج في أول الأمر مما جعله يستشير أصحابه، ثم أخذ رأي الأكثرية منهم الداعين إلى القتال، أما غزوة المريسيع فإن سببها ما بلغه عن يهود بني المصطلق أنهم يجمعون لحرب المسلمين جموعًا كبيرة من قبائل العرب، أما غزوة الأحزاب وبني قريظة فواضح أمرها إذ إن يهود بني قريظة نقضوا العهد الذي أبرموه مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الوثيقة الشهيرة في التاريخ، فتحالفوا مع المشركين، وفي غزوة الحديبية تجلى حب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورغبته في الصلح، وإنما أراد العمرة والطواف بالبيت، لكن مشركي مكة منعوه ونقضوا العهد الذي بينهم وبينه، فخرج إليهم بقرابة عشرة آلاف من المؤمنين، وعسكر قرب مكة فجاءه بعض وجهاء قريش كالعباس بن عبد المطلب، وأبي سفيان بن حرب فأسلموا وعادوا إلى مكة بأمان إلى أهلها، ودخل النبي والمؤمنون مكة بصلح مع وجهاء قريش كما هو مذهب الشافعي ورواية لأحمد، فكان الفتح المبين للإسلام والمسلمين، أما معركة حنين فسببها أن قبيلة هوازن وثقيف وبعض القبائل تجهزوا لحرب المسلمين والهجوم على المصلين في مكة، فخرج إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المسلمين وحاصروهم حتى استسلموا وقتل من قتل، وأسلم عدد كبير، أما غزوة مؤتة وتبوك فسببها أن زعيم الروم قتل أحد رسل النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي قام بتبليغه رسالة الدعوة إلى الإسلام، والعرف الجاري بين الدول والشعوب أن الرسل لا تقتل، وكانت دولة الروم آنذاك تحرض قبائل العرب المجاورة على قتال أهل المدينة، فجمعوا بقيادة (هرقل) أكثر من مئتي ألف مقاتل، فقاتلهم المسلمون فكان ما كان مما قدره الله، ومع هذا كله فإن الإسلام يمنع ويحرم (المباغتة) التي تعتبرها كل دول العالم اليوم مبدأ من مبادئ الحرب، ففرض على المسلمين أن ينذروا عدوهم ويعلنوه بالحرب فلا يؤخذ العدو على غرة قال -تعالى-:"وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ"
[الأنفال: 58] يجوز للمسلمين في حالات خاصة أن يبيتوا عدوهم فيعاملوا المشركين عند القتال بمثل معاملتهم للمسلمين"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" [النحل: 126] . قال ابن القيم في (زاد المعاد) :"لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوا ...، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يحاربوه ولم يصالحوه، وهؤلاء ثلاثة أقسام منهم من كان يحب ظهور الرسول وانتصاره، وهؤلاء أسلموا بعد ذلك"، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وهزيمة المسلمين - وهؤلاء آلت حالهم بعد ذلك فانضموا مع المحاربين له، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن وهم المنافقون، فعامل - صلى الله عليه وسلم - كل طائفة من هذه الطوائف بما يناسب حالها مما أمره الله به.
والناظر المتأمل في سورة (براءة) وهي من آخر السور نزولًا يجد أن (41) آية من أول السورة تحدثت عن الكفار المفاوضين فأوجبت لهم الوفاء بعهودهم إلى مدتهم، وقتال من نقض عهده منهم، كما بينت وجوب قتال الكفار الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر أو يساعدون غيرهم على قتال المسلمين، ونهت آيات أخرى عن قتال الكفار الذين لم يباشروا قتال المسلمين أو إعانة عليهم قال -تعالى-:"لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة: 8-9] وبقية آيات سورة (براءة) تحدثت عن المنافقين فأوجبت معاملتهم على حسب ما يظهر منهم، فإن حاربوا المسلمين أو ظاهروا عليهم حوربوا، وإن سكتوا وسالموا كف عنهم وعوملوا معاملة المسلمين.
وأرى أن عامة آيات القتال ليس من باب (جهاد الدفع) ، أما (جهاد الطلب) فيكون بعرض الدعوة على الكفار باللين والحكمة وعدم الإكراه قال -تعالى-:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"