فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 743

يقول ابن كثير رحمه الله: » ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ، الذين هم أعداء الإسلام وأهله قاتلهم الله ... ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } « أليس من الموالاة لأهل الكتاب اليهود والنصارى ، جعلهم وزراء أو أعضاء في مجلس الشورى (مستشارين) ، إذا كنتم لا توافقون على ذلك فلننظر إلى ذلك الأثر الوارد عن عمر بن الخطاب الخليفة الراشد الذي جعل الله الحق على قلبه ولسانه في فقه تلك الآية: » عن عياض الأشعري أن عمر رضي الله عنه أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد ، وكان له (أي لأبي موسى) كاتب نصراني ، فرفع إليه ذلك ، فعجب عمر ، وقال: إن هذا لحفيظ ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء من الشام ؟

فقال: إنه لا يستطيع ، فقال عمر أجنب هو ؟ قال: لا ، بل نصراني ، قال:

فانتهرني وضرب فخذي ، ثم قال: أخرجوه ثم قرأ { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ... } ، قال أبو موسى: والله ما توليته وإنما كان يكتب ، فقال عمر رضي الله عنه: أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب ؟ ! ، لا تدنهم إذ أقصاهم الله ، ولا تأتمنهم إذ خونهم الله ، ولا تعزهم بعد أن أذلهم الله « [2] فانظروا كيف رفض الخليفة الملهم اتخاذ كاتب نصراني يطلع على أمور المسلمين واحتج على ذلك بالآية المذكورة ، وأنتم لا تجعلونه كاتبًا فقط ، بل تجعلونه رئيسًا للوزراء ووزيرًا ومستشارًا ومديرًا وهلم جرا .

يقول بيان الجماعة في فقرته الأخيرة » ويمثل النصارى مع المسلمين في مصر نسيجًا اجتماعيًا وثقافيًا وحضاريًا واحدًا تداخلت خيوطه وتآلفت ألوانه وتماسكت عناصره « ، وإني لأتعجب: هل هذا كلام شرعي يعبر عن رؤية جماعة إسلامية أم أنه موضوع إنشاء من النوع الذي يقال في المجاملات ، وهل من الممكن أن تكون هناك مجاملات على حساب الدين ؟ ، الشيء الغريب والعجيب في آن:

أن النصارى أنفسهم لا يقبلون هذا الكلام ولا يرتضونه ؛ لأن هذا الكلام يعنى أن ذاتية النصارى وذاتية المسلمين قد ذابتا وتداخلتا معًا ، وكونتا نسيجًا واحدًا مما يعني ضياع الشخصية المستقلة أو التنازل عنها ، وإذا كنت لا تصدقني فسل وأظنك تعلم قبل كثيرين غيرك ماذا يفعل كبير النصارى في بلدك ضد الإسلام والمسلمين ، وعلى كلٍ أنا لا أمنعك الحق في أن تعبر عن أحاسيسك وأشواقك أنت وجماعتك تجاه النصارى ، وابذل لهم كل ما تستطيع من تنازل أو لين في القول ، لكن عليك ألا تتعدى بهذه الأحاسيس والأشواق إطار جماعتك إلى المسلمين كلهم ، فما أظن أن أحدًا خولك الحديث باسم المسلمين في بلدك .

ثم أقول: وهب أن الذي ذكرته أنت صحيح وهو غير صحيح لكن نفترض ذلك أنه كان هو الواقع فعلًا ، فهل وجود الاختلاط وعدم التمايز بين المسلمين والنصارى يذكر على سبيل المدح أم يذكر على سبيل الذم وعلى سبيل تنبيه المسلمين على التمايز عن الكفار والابتعاد عن مشابهتهم أو التشبه بهم ؟ ! ألم تسمعوا عن » الشروط العمرية التي اشترطها عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة ، والتي فيها منع تشبه أهل الذمة بالمسلمين والتي تحول دون حدوث ذلك النسيج المزعوم .

ألم تسمعوا عن كتاب صنفه العالم الجليل شيخ الإسلام ابن تيمية « وهو يحذر فيه أشد التحذير من ذلك النسيج الواحد الذي تدعونه ، إنه كتاب » اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم « فارجعوا إليه فلعله يردكم عن إدعاء ذلك النسيج.

على كل حال إن لم تكونوا قد سمعتم بهذا ولا بذاك ، فلا علينا أن نسمعكم بعض أحاديث الرسول المصطفى التي تحرص على تمييز المسلمين عن غيرهم من الكافرين سواء أكانوا من أهل الكتاب ، أومن غيرهم ، و تحول بين المسلم وحدوث ذلك النسيج (الحضاري والاجتماعي والثقافي) الموحد .

يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: منكرًا على المسلمين ما يقع منهم من مشابهة ومتابعة وموافقة لليهود والنصارى ، ومنفرًا لهم من ذلك وحاضًا على تركه، يقول: » لتتبعُن سَنَن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جُحْر ضب تبعتموهم ، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: فمن ؟ « [3] ، قال ابن حجر رحمه الله: » قوله: قال فمن: هو استفهام إنكار ، والتقدير: فمن هم غير أولئك « [4]

ويقول -صلى الله عليه وسلم- » من تشبه بقوم فهو منهم « [5] قال ابن تيمية: » إسناده جيد وأقل أحواله: أنه يقتضي تحريم التشبه بهم « وقال صلى الله عليه وسلم: » إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم « [6] ولا يُكَمّل رد السلام ، بخلاف المسلم الذي يقال له: وعليكم السلام ورحمة الله ، أليس في هذه الأحاديث منعٌ للنسيج الثقافي والحضاري والاجتماعي الواحد ، ألا يشعر المسلم من مثل هذه التوجيهات حرص الإسلام على إقامة حاجز نفسي بين المسلم وغيره، يمنعه من الانجذاب نحوه ، وإذابة الفوارق بينه وبين غيره .

وفي النهاية أقول لأصحاب البيان: ما الغرض ، ومن المستفيد ، ومن يرتضي ذلك البيان ؟

فإن كان الغرض أن يرضى عنكم » الأسياد « المحليون أو غيرهم ، فأنا أقول لكم تصديقًا لقول ربي مادمتم ترفعون شعار الإسلام ، ولو تنازلتم عن أمور كثيرة ، فلن يرضوا عنكم ، كما قال تعالى: { ولن ترضي عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120 ] أما إن كان الغرض هو الدفاع عن الإسلام ، فإن ذلك لا يمكن أن يتم عبر العبث بأحكامه أو التنازل عنها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت