فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 743

وهو قيمة عليا من قيم الإسلام، وهدف من أهدافه الرئيسة. قال الله ـ تعالى ـ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] ، وقال ـ تعالى ـ: {يَ ا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ؛ فالمسلم مطالب بالعدل مع الموافق والمخالف ولو كان كافرًا، وإن المسلم لا ينبغي أن يحمله بغضه لأقوام ـ حتى وإن كان يبغضهم في الله ـ على ترك العدل معهم، وظلمهم، بل هو مطالَب ومأمور من الله ـ تعالى ـ بالعدل معهم بـ {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] وهو أيضًا مطالَب بالعدل مع نفسه ووالديه والأقربين. قال الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] ، قال ابن جرير ـ ـ رحمه الله ـ ـ: «ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط؛ يعني العدل» (2) . فالعدل عند المسلم صفة من الصفات وخلق من الأخلاق، وليس موقفًا من المواقف، وهو ما يعني ان هذه صفة أصلية ثابتة يطبع الإسلام بها المسلم في كل أحيانه؛ إذ العدل واجب من كل أحد على كل أحد في كل حال. ومن العدل ألا نفرق بين المتماثلين، وأن لا نساوي بين المختلفين؛ فمساواة المسلم بالكافر ليس عدلًا، ومساواة السني بالبدعي ليس عدلًا، كذلك مساواة من خالف في الأصول بمن خالف في الفروع ليس عدلًا، كما أن التفرقة بين الناس على أساس الاختلاف في مسائل الاجتهاد؛ بحيث يأخذ هذا حكم، وذاك حكم مع أن الخلاف في مسائل الاجتهاد فليس ذلك أيضًا عدلًا، كما أنه ليس من العدل نقل صورة غير أمينة عن الواقع سواء بالزيادة فيه وتضخيمه، أو بالتنقص منه وتقليله، سواء أكان ذلك يصب في مصلحة المنقول عنه أو ضرره؛ فكل تلك الأحوال ليست من العدل، ويتفرع عنها صور كثيرة جدًا؛ والضابط في ذلك أن العدل هو الوقوف عند ما حدَّه الشرع بلا زيادة أو نقص، وليس بما يتصور الإنسان أنه عدل (3) ؛ إذ إنه قد يُتصور أمور كثيرة من العدل، وهي ليست منه في شيء.

2 ـ الأخذ بالظاهر:

الإنسان أيًا كان؛ فمن الممكن أن يكون عمله في الظاهر ليس متوافقًا مع باطنه، وباطن الإنسان لا يعلمه أحد على الحقيقة إلا الذي يعلم السر وأخفى. وأما الإنسان فليس له إلى علم حقيقة البواطن سبيل، وإن كانت هناك قرائن قد تدل بغلبة الظن على الباطن؛ وعلى ذلك فإننا مطالَبون بالحكم على الشيء المنضبط الواضح وهو الظاهر الذي يظهر من الإنسان، ولا نرتب مواقفنا على تصوراتنا للباطن، ونقول: هو نيته كذا أو كذا، ونحو ذلك من الكلام، وهذه قاعدة معلومة؛ فإن المنافق مع أنه في الدرك الأسفل من النار، لكن لما كان ظاهره الإسلام، وكان يخفي نفاقه في داخله ـ وإن كانت هناك قرائن قد ترشد إلى شيء مما في داخله ـ فإننا نعامله بحسب ما يظهر منه، وهذا أيضًا نوع من أنواع العدل أن تكون المواقف مؤسسة على الأشياء الظاهرة الواضحة وليس على الأشياء الباطنة الخفية؛ إذ لو فُتِحَ باب أخذ المواقف بناءً على الأمور الباطنة الخفية ـ والتي لا سبيل إلى معرفتها يقينًا ـ لفسدت أمور الناس وسفك بعضهم دماء بعض، واستحلوا الأموال بناءً على ما يُتصور لهم في الباطن، وهذا من رحمة الله ـ تعالى ـ بالناس.

3 ـ مرجعية الكتاب والسنة:

فكتاب ربنا ـ تعالى ـ تكفل الله بحفظه، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ملحقة به في ذلك الحفظ؛ لأنها من بيان الدين وتوضيحه، وهما المأمور بالاحتكام إليهما لاحتوائهما على الحق الصراح، وهما المأمور بالرد إليهما عند الاختلاف. قال الله ـ تعالى ـ: {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ؛ فعلَّق الإيمان بالله واليوم الآخر على الرد إلى الله والرسول عند الاختلاف والتنازع، وبين أن ذلك هو الخير والأحسن عاقبة ومآلًا، وقد اتفق أهل العلم أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هوالرجوع إليه في حياته وإلى سنته بعد موته -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا يدل على أن الكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء وتوضيح كل مشكل، وحل كل معضل. يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين» (4) ، وعلى ذلك؛ فإن الكتاب والسنة هما اللذان يُرجَع إليهما، ويُعوَّل عليهما في تناولنا لجزئيات الحديث في موضوع هذه الدراسة.

4 ـ التثبت من المنقول قبل اتخاذ المواقف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت