فهرس الكتاب
2 -لَمَّا كَانَتْ أَرْضُ الْعَرَبِ مَنْبَتَ الْإِسْلَامِ وَعَرِينَهُ , وَفِيهَا بَيْتُ اللَّهِ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ , فَقَدْ اُخْتُصَّتْ عَنْ سَائِرِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: الْأَوَّلِ: أَنَّهَا لَا يَسْكُنُهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُدْفَنُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ . وَالثَّالِثِ: أَنَّهَا لَا يَبْقَى فِيهَا دَارُ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ . وَالرَّابِعِ: أَنَّهَا لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِهَا خَرَاجٌ . وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي . مَا يُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنْ سُكْنَاهُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ: 3 - وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثُ فِي مَنْعِ الْكُفَّارِ مِنْ سُكْنَى الْأَرْضِ الَّتِي يَفْتَحُهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: { بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ , إذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: انْطَلِقُوا إلَى يَهُودَ , فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ , فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ , أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا . فَقَالُوا: بَلَّغْت يَا أَبَا الْقَاسِمِ . فَقَالَ: ذَلِكَ أُرِيدُ . ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ . فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْت يَا أَبَا الْقَاسِمِ . ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ . فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ , فَمَنْ وَجَدَ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ , وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , عَلَى أَقْوَالٍ: 4 - الْأَوَّلِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ , أَنَّ الْكُفَّارَ يُمْنَعُونَ مِنْ سُكْنَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا , أَخْذًا بِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا: حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: { لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إلَّا مُسْلِمًا } . وَحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: { آخِرُ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ } وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: { لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ } , وَرَوَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: { قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى , اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ } قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ:"لَا يُمَكَّنُونَ - يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ السُّكْنَى فِي أَمْصَارِ الْعَرَبِ وَقُرَاهَا , بِخِلَافِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَيْسَتْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , يُمَكَّنُونَ مِنْ سُكْنَاهَا ."وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ"فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ: يُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ . قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: قَوْلَهُ: لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ , أَفَادَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا , بَلْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا كَذَلِكَ , كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ". وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ: أَمَّا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ وَمَخَالِيفُهَا , فَقَالَ مَالِكٌ: يُخْرَجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ , وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ التَّرَدُّدِ بِهَا مُسَافِرِينَ . 5 - الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , أَنَّ الْمُرَادَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ لَيْسَ كُلَّ مَا تَشْمَلُهُ ( جَزِيرَةُ الْعَرَبِ ) فِي اللُّغَةِ , بَلْ أَرْضُ الْحِجَازِ خَاصَّةً . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ , قَالَ: { آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } وَفِي الْمُوَطَّأِ: قَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ . فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ . وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ , فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ , ثُمَّ