30 -يُعْتَبَرُ الْحَبْسُ مِنْ آثَارِ الِالْتِزَامِ . فَالْبَائِعُ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ , حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ الَّذِي الْتَزَمَ بِهِ الْمُشْتَرِي , إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا . وَالْمُؤَجِّرُ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَنَافِعِ إلَى أَنْ يَسْتَلِمَ الْأُجْرَةَ الْمُعَجَّلَةَ . وَلِلصَّانِعِ حَقُّ حَبْسِ الْعَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ إذَا كَانَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ , كَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَالنَّجَّارِ وَالْحَدَّادِ . وَالْمُرْتَهِنُ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَرْهُونِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الرَّاهِنُ مَا عَلَيْهِ . يَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ: حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الرَّاهِنُ مَا عَلَيْهِ , وَالرَّهْنُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةِ الْحَقِّ الْمَرْهُونِ فِيهِ وَبِبَعْضِهِ , أَعْنِي أَنَّهُ إذَا رَهَنَهُ فِي عَدَدٍ مَا , فَأَدَّى مِنْهُ بَعْضَهُ , فَإِنَّ الرَّهْنَ بِأَسْرِهِ يَبْقَى بَعْدُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ . وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَبْقَى مِنْ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى مِنْ الْحَقِّ , وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ , أَصْلُهُ ( أَيْ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ ) حَبْسُ التَّرِكَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ حَتَّى يُؤَدُّوا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ . وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ جَمِيعَهُ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِهِ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَبْعَاضُهُ مَحْبُوسَةً بِأَبْعَاضِهِ , أَصْلُهُ الْكَفَالَةُ . وَمِنْ ذَلِكَ حَبْسُ الْمَدِينِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ , إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ وَمَاطَلَ فِي الْأَدَاءِ , وَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ حَبْسَهُ مِنْ الْقَاضِي , وَلِلْغَرِيمِ كَذَلِكَ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ , لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِحَبْسِهِ .
( 3 ) التَّسْلِيمُ وَالرَّدُّ
31 -يُعْتَبَرُ التَّسْلِيمُ مِنْ آثَارِ الِالْتِزَامِ فِيمَا يَلْتَزِمُ الْإِنْسَانُ بِتَسْلِيمِهِ . فَالْبَائِعُ مُلْتَزِمٌ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي , وَالْمُؤَجِّرُ مُلْتَزِمٌ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَمَا يَتْبَعُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ بِحَيْثُ تَكُونُ مُهَيَّأَةً لِلِانْتِفَاعِ بِهَا , وَالْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرِ مُلْتَزِمَانِ بِتَسْلِيمِ الْعِوَضِ , وَأَجِيرُ الْوَحْدِ ( الْأَجِيرُ الْخَاصُّ ) مُلْتَزِمٌ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ , وَالْكَفِيلُ مُلْتَزِمٌ بِتَسْلِيمِ مَا الْتَزَمَ بِهِ , وَالزَّوْجُ مُلْتَزِمٌ بِتَسْلِيمِ الصَّدَاقِ , وَالزَّوْجَةُ مُلْتَزِمَةٌ بِتَسْلِيمِ الْبُضْعِ , وَالْوَاهِبُ مُلْتَزِمٌ بِتَسْلِيمِ الْمَوْهُوبِ عِنْدَ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الْهِبَةِ , وَرَبُّ الْمَالِ فِي السَّلَمِ وَالْمُضَارَبَةِ مُطَالَبٌ بِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ . وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ الْتَزَمَ بِتَسْلِيمِ شَيْءٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِالتَّسْلِيمِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ رَدُّ الْأَمَانَاتِ وَالْمَضْمُونَاتِ , سَوَاءٌ أَكَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا ابْتِدَاءً أَمْ بَعْدَ الطَّلَبِ , وَذَلِكَ كَالْمُودَعِ وَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْقَرْضِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَاللُّقَطَةِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا , وَمَا عِنْدَ الْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ إذَا فَسَخَ الْمَالِكُ وَهَكَذَا . مَعَ اعْتِبَارِ أَنَّ التَّسْلِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ , قَدْ يَكُونُ بِالْإِقْبَاضِ , وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّمْكِينِ مِنْ الْمُلْتَزَمِ بِهِ .
( 4 ) ثُبُوتُ حَقِّ التَّصَرُّفِ:
يَثْبُتُ لِلْمُلْتَزَمِ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْتَزَمِ بِهِ بِامْتِلَاكِهِ , لَكِنْ يَخْتَلِفُ نَوْعُ التَّصَرُّفِ بِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْمِلْكِيَّةِ فِي الْمُلْتَزَمِ بِهِ , وَذَلِكَ كَمَا يَأْتِي: