12 -الْأَصْلُ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ عَلَى الذِّمَّةِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ الدَّائِمَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , وَإِنَّمَا يُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ الْيَسِيرَةِ بِالْأَمَانِ الْمُؤَقَّتِ , وَيُسَمَّى صَاحِبُ الْأَمَانِ ( الْمُسْتَأْمَنُ ) , وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ) عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِلْمُسْتَأْمَنِ لَا تَبْلُغُ سَنَةً , فَإِذَا أَقَامَ فِيهَا سَنَةً كَامِلَةً أَوْ أَكْثَرَ تُفْرَضُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَيَصِيرُ بَعْدَهَا ذِمِّيًّا . فَطُولُ إقَامَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ قَرِينَةٌ عَلَى رِضَاهُمْ بِالْإِقَامَةِ الدَّائِمَةِ وَقَبُولِهِمْ شُرُوطَ أَهْلِ الذِّمَّةِ . هَذَا , وَقَدْ فَصَّلَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: الْأَصْلُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ , فَيَضْرِبَ لَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً , عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ , وَيَقُولَ لَهُ: إنْ جَاوَزْت الْمُدَّةَ جَعَلْتُك مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَإِذَا جَاوَزَهَا صَارَ ذِمِّيًّا , فَإِذَا أَقَامَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ مَا قَالَ لَهُ الْإِمَامُ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ . وَإِذَا لَمْ يَضْرِبْ لَهُ مُدَّةً قَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِإِقَامَتِهِ سَنَةً , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ أَقَامَ الْمُسْتَأْمَنُ , فَأَطَالَ الْمُقَامَ أُمِرَ بِالْخُرُوجِ , فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوْلًا وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ , وَعَلَى هَذَا فَاعْتِبَارُ السَّنَةِ مِنْ تَارِيخِ إنْذَارِ الْإِمَامِ لَهُ بِالْخُرُوجِ , فَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ , فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ , وَلَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا . وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَقْدِيرِ مُدَّةِ الْأَمَانِ لِلْمُسْتَأْمَنِ وَصَيْرُورَتِهِ ذِمِّيًّا .
ب - زَوَاجُ الْحَرْبِيَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ:
13 -صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْحَرْبِيَّةَ الْمُسْتَأْمَنَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَقَدْ تَوَطَّنَتْ وَصَارَتْ ذِمِّيَّةً ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْمَسْكَنِ تَابِعَةٌ لِلزَّوْجِ , أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْخُرُوجَ إلَّا بِإِذْنِهِ , فَجَعْلُهَا نَفْسَهَا تَابِعَةً لِمَنْ هُوَ فِي دَارِنَا رِضًى بِالتَّوَطُّنِ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ , وَرِضَاهَا بِذَلِكَ دَلَالَةٌ كَالرِّضَى بِطَرِيقِ الْإِفْصَاحِ , فَلِهَذَا صَارَتْ ذِمِّيَّةً . بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً ; لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَكُونُ تَابِعًا لِامْرَأَتِهِ فِي الْمُقَامِ , فَزَوَاجُهُ مِنْ الذِّمِّيَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِالْبَقَاءِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَلَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ , فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْحَنَفِيَّةَ فِي هَذَا الْحُكْمِ , قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: إذَا دَخَلَتْ الْحَرْبِيَّةُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ , فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا , ثُمَّ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ لَمْ تُمْنَعْ إذَا رَضِيَ زَوْجُهَا أَوْ فَارَقَهَا , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُمْنَعُ . وَلَمْ نَعْثُرْ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ .
ج - شِرَاءُ الْأَرَاضِي الْخَرَاجِيَّةِ:
14 -قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَزَرَعَهَا , يُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَرْضِ وَيَصِيرُ ذِمِّيًّا ; لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْخَرَاجِ تَخْتَصُّ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَإِذَا قَبِلَهَا فَقَدْ رَضِيَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا . وَلَوْ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَجْبِيَ خَرَاجَهَا لَا فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا ; لِأَنَّ دَلِيلَ قَبُولِ الذِّمَّةِ وُجُوبُ الْخَرَاجِ لَا نَفْسُ الشِّرَاءِ , فَمَا لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِشَرْطِ تَنْبِيهِهِ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالَةِ عَدَمِ بَيْعِهِ الْأَرْضَ وَرُجُوعِهِ إلَى بِلَادِهِ سَيَكُونُ ذِمِّيًّا , إذْ لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ ذِمِّيًّا بِلَا رِضًى مِنْهُ أَوْ قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ تَكْشِفُ عَنْ رِضَاهُ . هَذَا , وَلَمْ نَجِدْ لِسَائِرِ الْفُقَهَاءِ رَأْيًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
ثَالِثًا - صَيْرُورَتُهُ ذِمِّيًّا بِالتَّبَعِيَّةِ (1) :
15 -هُنَاكَ حَالَاتٌ يَصِيرُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ ذِمِّيًّا تَبَعًا لِغَيْرِهِ ; لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا تَسْتَوْجِبُ هَذِهِ التَّبَعِيَّةَ فِي الذِّمَّةِ مِنْهَا:
أ - الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ وَالزَّوْجَةُ:
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2494)