فهرس الكتاب
وأمّا أحمد فقال في رواية: هم من النّصارى ، لأنّهم يدينون بالإنجيل واستدلّ لذلك بما نقل عن ابن عبّاس ، وقال في رواية أخرى: هم من اليهود لأنّهم يسبتون ، واستدلّ لذلك بما روي عن عمر أنّه قال: إنّهم يسبتون .
القول الثّاني: أنّهم ليسوا من أهل الكتاب .
قال القرطبيّ من المالكيّة: الّذي تحصّل من مذهبهم فيما ذكره بعض علمائنا: أنّهم موحّدون ، يعتقدون تأثير النّجوم ، وأنّها فعّالة ، قال: ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخريّ ، القاهر باللّه بكفرهم ، حين سأله عنهم ، وهو قول أبي يوسف ومحمّد بن الحسن فيهم ، لأنّهم يعبدون الكواكب ، وعابد الكواكب كعابد الوثن .
4 -القول الثّالث: وهو للشّافعيّة ، فقد تردّدوا فيهم .
قال النّوويّ: المذهب أنّهم إن خالفوا النّصارى في أصل دينهم فليسوا منهم ، وإلاّ فهم منهم . قال: وهكذا نصّ عليه - أي نصّ عليه الشّافعيّ - ، وقيل: فيهم قولان: قال: وهذا إذا لم يكفّرهم اليهود والنّصارى ، فإن كفّروهم لم يقرّوا قطعًا . أي: لأنّهم لا يكونون من أهل الكتاب . والمراد بأصل دينهم على ما في شرح المنهاج للمحلّيّ: عيسى والإنجيل ، وما عدا ذلك فروع ، أي: إن كانوا يتّبعون عيسى - عليه السلام - ويؤمنون بالإنجيل فهم من النّصارى ولو خالفوا النّصارى في الفروع ، ما لم تكفّرهم النّصارى بالمخالفة في الفروع فإن كفّروهم فليسوا منهم . وفي نهاية المحتاج: لو خالفوا النّصارى في أصل دينهم ولو احتمالًا كأن نفوا الصّانع أو عبدوا كوكبًا حرم نساؤهم علينا .
5-القول الرّابع: أنّ الصّابئة فرقتان متميّزتان لا تدخل إحداهما في الأخرى وإن توافقتا في الاسم:
أ - الفرقة الأولى: هم الصّابئة الحرّانيّون - وسمّاهم ابن النّديم والشّهرستاني: الحرنانيين - وهم: قوم أقدم من النّصارى كانوا في زمن إبراهيم - عليه السلام - يعبدون الكواكب السّبعة ، ويضيفون التّأثير إليها ، ويزعمون أنّ الفلك حيّ ناطق .
قال الجصّاص من الحنفيّة: وهذه الفرقة تسمّت بالصّابئة ، وهم الفلاسفة الحرّانيّون الّذين بناحية حرّان ، وهم عبدة أوثان ، ولا ينتمون إلى أحد من الأنبياء ، ولا ينتحلون شيئًا من كتب اللّه ، فهؤلاء ليسوا أهل كتاب .
وذكرهم المسعوديّ وأنّ لهم سبعة هياكل بأسماء الزّهرة والمرّيخ والمشترى وزحل وغيرهما . وذكر أشياء من أحوالهم في زمانه .
وكذلك ذكرهم الشّهرستانيّ وأطنب في بيان اعتقاداتهم وأحوالهم .
وذكرهم ابن النّديم في فهرسته ، وذكر قراهم وأحوالهم ومعابدهم ، ونقل عن المؤلّفين النّصارى أنّهم لم يكن اسمهم الصّابئة ، وأنّ المأمون مرّ بديار مضر فتلقّاه النّاس ، وفيهم جماعة من الحرنانيين ، فأنكر المأمون زيّهم . فلمّا علم أنّهم ليسوا يهودًا ولا نصارى ولا مجوسًا أنظرهم إلى رجوعه من سفرته ، وقال: إن أنتم دخلتم في الإسلام ، أو في دين من هذه الأديان الّتي ذكرها اللّه في كتابه ، وإلاّ أمرت بقتلكم . ورحل عنهم إلى أرض الرّوم ، وهي رحلته الّتي مات فيها . فمنهم من أسلم ، ومنهم من تنصّر ، وبقي منهم شرذمة على دينهم ، احتالوا بأن سمّوا أنفسهم الصّابئة ، ليسلموا ويبقوا في الذّمّة . وهذا يقتضي أنّ هذه الطّائفة لم يكن اسمهم الصّابئة أوّلًا ، وأنّهم تسمّوا بذلك في آخر عهد المأمون .
وأفاد البيرونيّ: أنّ هذه النّحلة هي نحلة فلاسفة اليونانيّين الّتي كانوا عليها قبل النّصرانيّة ، وأنّ من فلاسفتها: فيثاغورس ، وأغاذيمون ، وواليس ، وهرمس ، وكانت لهم هياكل بأسماء الكواكب ، وأنّ اليونانيّين ، ومن بعدهم الرّومان ، كانوا على هذه النّحلة ، ثمّ لمّا غلبت النّصرانيّة على بلاد الرّوم واليونان وتنصّر أهل هذه النّحلة ، بقي عليها من أهل المشرق بقايا ، ولم يكن اسمهم الصّابئة ، وإنّما تسمّوا بذلك في عصر المأمون سنة 228 هـ وهم ليسوا من الصّابئة في الحقيقة ، بل حقيقة الصّابئة هم الفرقة الثّانية .
ب - والفرقة الثّانية: هم طائفة من أهل الكتاب لهم شبه بالنّصارى .
قال الجصّاص: وهؤلاء بنواحي كسكر والبطائح - من أرض العراق - وهم مع كونهم من النّصارى إلاّ أنّهم مخالفون لهم في كثير من ديانتهم ، لأنّ النّصارى فرق كثيرة ، منهم: المرقونيّون ، والآريوسيّة ، والمارونيّة . والفرق الثّلاث من النّسطوريّة ، والملكيّة ، واليعقوبيّة يبرؤون منهم ويجرّمونهم . وهم ينتمون إلى يحيى وشيث . قال: والنّصارى تسمّيهم يوحانسيّة . أ هـ .
قال الجصّاص: فمذهب أبي حنيفة في جعله الصّابئة من أهل الكتاب محمول على هؤلاء .