فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 743

13 -قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَا تُضْمَنُ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ , سَوَاءٌ أَكَانَ مُتْلِفُهَا مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا , وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَمْ لِذِمِّيٍّ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا , كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَسَائِرِ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ , وَمَا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَمْ يُضْمَنْ بِبَدَلٍ عَنْهُ , لِأَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ , وَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا , فَمَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ , لَا ضَمَانَ فِيهِ . لَكِنْ إذَا كَانَتْ خَمْرُ الذِّمِّيِّ مَا زَالَتْ بَاقِيَةً عِنْدَ الْغَاصِبِ , يَجِبُ رَدُّهَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى شُرْبِهَا . فَإِنْ غَصَبَهَا مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْزَمْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَدُّهَا . وَيَجِبُ إرَاقَتُهَا , لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى اقْتِنَائِهَا , وَيَحْرُمُ رَدُّهَا إلَى الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَكُنْ صَانِعَ خَلٍّ ( خَلَّالًا ) ; لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ . وَفَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَمْرِ , فَقَالُوا: تُرَدُّ الْخَمْرُ الْمُحْتَرَمَةُ - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ , أَوْ بِغَيْرِ قَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - الْمَغْصُوبَةُ مِنْ مُسْلَمٍ إلَيْهِ , وَلَا تُرَدُّ الْخَمْرُ غَيْرُ الْمُحْتَرَمَةِ , بَلْ تُرَاقُ . وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا , فَتَخَمَّرَ , ثُمَّ تَخَلَّلَ , فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْخَلَّ لِلْمَالِكِ , وَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ إنْ كَانَ الْخَلُّ أَنْقَصَ قِيمَةً مِنْ الْعَصِيرِ , لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ , وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْعَصِيرِ . وَلَوْ غَصَبَ شَخْصٌ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ , فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ , كَالْخَمْرِ الَّتِي تَخَلَّلَتْ , فَإِذَا تَلِفَا بِيَدِهِ ضَمِنَهُمَا . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ رَدُّ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ دَبَغَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ عِنْدَهُمْ , وَلَا قِيمَةَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ خَمْرَ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرَهُ إذَا غَصَبَهُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ , أَوْ اسْتَهْلَكَهُ , أَوْ خَلَّلَ الْخَمْرَ , سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا ; لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ , وَيَجِبُ إرَاقَتُهَا , وَكَذَا الْخِنْزِيرُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ . لَكِنْ لَوْ قَامَ الْغَاصِبُ بِتَخْلِيلِ خَمْرِ الْمُسْلِمِ , ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا يَضْمَنُ خَلًّا مِثْلَهَا لَا خَمْرًا ; لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ الضَّمَانِ , وَهُوَ إتْلَافُ خَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ , فَيَضْمَنُ , وَلِصَاحِبِ الْخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ ; وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ إذَا دَبَغَهُ الْغَاصِبُ , وَيَأْخُذُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ إنْ دَبَغَهَا بِمَا لَهُ قِيمَةٌ , وَكَذَلِكَ إذَا خَلَّلَ الْخَمْرَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ . وَيَضْمَنُ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ إذَا اسْتَهْلَكَهُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ عِنْدَ أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَالْخَمْرُ عِنْدَهُمْ كَالْخَلِّ عِنْدَنَا , وَالْخِنْزِيرُ عِنْدَهُمْ كَالشَّاةِ عِنْدَنَا , وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ , وَبِهِ يُقَرُّونَ عَلَى بَيْعِهِمَا . لَكِنْ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ قِيمَةُ الْخَمْرِ لَا رَدُّ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْخَمْرُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمَلُّكِهَا , وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ يَجُوزُ لَهُ تَسْلِيمُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُ الْخَمْرِ وَتَمْلِيكُهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ . أَمَّا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَوْ لِذِمِّيٍّ , فَلَا يَضْمَنَانِ بِالْغَصْبِ ; لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ , وَلَا يَدِينُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ تَمَوُّلَهُمَا . وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِ قِيمَةَ صَلِيبٍ غَصَبَهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ , فَهَلَكَ فِي يَدِهِ ; لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى ذَلِكَ . وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا ذُكِرَ , فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا تُضْمَنُ خَمْرُ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرُهُ , وَلَا آلَاتُ الْمَلَاهِي وَالْأَصْنَامِ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ } . وَلِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا , وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يُضْمَنُ . لَكِنْ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ خَمْرَ الذِّمِّيِّ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّهَا مَالٌ مُحْتَرَمٌ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَتَمَوَّلُونَهَا . وَإِذَا تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ وَكَانَتْ لِمُسْلِمٍ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت