فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 743

فحديث أبي كريمة يدل على وجوب اليوم والليلة وحديث أبي شريح يدل على استحباب الثلاث . فالضيافة في حق الكفار والمسلمين واجبة على كلا الحديثين لكنهما يختلفان في قدر الوجوب والاستحباب ويختلفان في حكمين آخرين . أحدهما أنها في حق المسلمين تجب ابتداء بالشرع وفي حق الكفار تجب بالشرط . والثاني أنها في حق المسلمين تعم أهل القرى والأمصار وفي حق الكفار تختص بأهل القرى . قال أحمد في رواية أبي الحارث الضيافة تجب على كل مسلم من كان من أهل الأمصار وغيرهم من المسلمين . وقال في موضع آخر تجب الضيافة على المسلمين كلهم من نزل به ضيف عليه أن يضيفه . والفرق بينهما أن عمر رضي الله عنه شرط ذلك على أهل القرى والأخبار الواردة في حق المسلمين عامة لقوله ليلة الضيف حق واجب وفي لفظ آخر الضيافة ثلاثة أيام . وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار لعموم الخبر وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل وقد سأل إن أضاف الرجل ضيف من أهل الكفر يضيفه? فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم فدل على أن المسلم والمشرك يضافان والضيافة معناها معنى صدقة التطوع على المسلم والكافر . وهذا لفظ أحمد فقد احتج بعموم الخبر وأنه يعم المسلم والكافر وإذا نزل به الضيف ولم يضفه كان دينا على المضاف نص عليه في رواية حنبل فقال إذا نزل القوم فلم يضافوا فإن شاء طلبه وإن شاء ترك قال له فكم مقدار ما يقدر له? قال ما يموّنه في الثلاثة الأيام واليوم والليلة حق واجب قال له فإن لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من أموالهم بمقدار ما يضيفه? قال لا يأخذ إلا بعلم أهله وله أن يطالبهم بحقه . فقد نص على أن له المطالبة بذلك وهذا يدل على ثبوته في ذمته لقوله في حديث أبي كريمة فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء يترك ومنع من أن يأخذ من مال من يجب عليه الضيافة بغير إذنه إلا بعلم أهله إذ من كان له على رجل حق وامتنع من أدائه وقدر له على حق لم يجز له أن يأخذ بغير إذنه انتهى . فأما قوله إن اليوم والليلة حق واجب والثلاثة مستحبة فهذا صحيح في حق المسلمين . وأما في حق أهل الذمة فلا يمكن أن يقال ذلك فإن الثلاثة إن كانت مشروطة عليهم فهي حق لازم عليهم القيام به للمسلمين وإن لم تكن مشروطة عليهم لم يجز للمسلمين تناول ما زاد على اليوم والليلة إلا برضاهم وحينئذ لا فرق بين الثلاثة وما زاد عليها وعمر رضي الله عنه لم يشرط على طائفة معينة بل شرط على نصارى الشام والجزيرة وغيرهما ففي شرطه على نصارى الشام والجزيرة ضيافة ثلاثة أيام ليسارهم وإطاقتهم ذلك وأما نصارى السواد فشرط عليهم يوما وليلة لأن حالهم كان دون حال نصارى الشام والجزيرة . فكان عمر رضي الله عنه يراعي في ذلك حال أهل الكتاب كما كان يراعي حالهم في الجزية وفي الخراج فبعضهم شرطها عليهم يوما وليلة وبعضهم شرطها عليهم ثلاثا . وأما قوله إنهم إذا لم يقوموا بما عليهم وقدر لهم على مال لم يأخذه بناء على مسألة الظفر فليس كذلك والسنة قد فرقت بين هذا وبين مسألة الظفر التي لا يجوز الأخذ بها .

إن سبب الحق ههنا ظاهر فلا ينسب الآخذ إلى جناية لظهور حقه بخلاف ما إذا لم يكن ظاهرا ولهذا أفتى النبي صلى الله عليه وسلم هندا بأن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف كما جوز للضيف أن يأخذ مثل قراه إذا لم يضف فجاءت السنة بالأخذ في هذين الموضعين وجاءت بالمنع لمن سأله إن لنا جيرانا لا يدعون لنا سادة ولا قادة إلا أخذوها أفنأخذ من أموالهم? الحديث فقال أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك . فمنع ههنا وأطلق هناك وكان الفرق بينهما من وجهين أحدهما ما ذكرناه من ظهور سبب الحق لتعذر الأخذ وخفائه فينسب إلى الجناية . الثاني أن سبب الحق يتحدد في مسألة النفقة والضيافة قياسا فتمتنع الدعوى فيه كل وقت والرفع إلى الحاكم وإقامة البينة بخلاف مالا ينكر سببه . إذا عرف هذا فعمر رضي الله عنه لم يشترط قدر الطعام والإدام والعلف فلا يشترط ذلك وإنما يرجع فيه إلى عادة كل قوم وعرفهم وما لا يشق عليهم فلا يجوز للضيف أن يكلفهم اللحم والدجاج وليس ذلك غالب قوتهم بل يجب عليه أن يقبل ما يبذلونه من طعامهم المعتاد كما أوجب الله سبحانه الإطعام في الكفارة من أوسط ما يطعم المكفّر أهله من غير تقدير وكما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم النفقة على الزوجة والمملوك بالعرف من غير تقدير فهذه سنته وسنة خلفائه في هذا الباب وبالله التوفيق . وهذا الضيافة قدر زائد على الجزية ولا تلزمهم إلا بالشرط ويكفي شرط عمر رضي الله عنه على ممر الأزمان سواء شرطه عليهم من بعده من الأئمة أو لم يشرطه لأن شرطه سنة مستمرة ولهذا عمل به الأئمة بعده واحتج الفقهاء بالشروط العمرية وأوجبوا اتباعها . هذا هو الصحيح كما أن شرطه عليهم في الجزية مستمر وإن لم يجدده عليهم إمام الوقت وكذلك عقد الذمة لمن بلغ من أولادهم وإن لم يعقد لهم الإمام الذمة . قال الشافعي وتقسم الضيافة على عدد أهل الذمة وعلى حسب الجزية التي شرطها فيقسم ذلك بينهم على السواء .

وإن كان فيهم الموسر والمتوسط والمقل قسطت الضيافة على ذلك . قال الشافعي ويذكر ما يعلف به الدواب من التبن والشعير وغير ذلك . قال ويشترط عليهم أن ينزلوا في فضول منازلهم وكنائسهم ما يكنون فيه من الحر والبرد منها إذ الضيف محتاج إلى موضع يسكن فيه ويأوي إليه ما يحتاج إلى طعام يأكله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت