فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 743

وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَصْلٌ فِي الْحَمَّامِ قَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَد بِنَاءَ الْحَمَّامِ وَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَكِرَائِهِ وَذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أُمُورٍ مُحَرَّمَةٍ كَثِيرًا . أَوْ غَالِبًا مِثْلَ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ وَمَسِّهَا وَالنَّظَرِ إلَيْهَا وَالدُّخُولِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَيْهَا كَنَهْيِ النِّسَاءِ وَقَدْ تَشْتَمِلُ عَلَى فِعْلِ فَوَاحِشَ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ بِالنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ . وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الطبراني: { إنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي بَيْتًا قَالَ: بَيْتُك الْحَمَّامُ } . وَمِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا تَصْوِيرُ الْحَيَوَانِ فِي حِيطَانِهَا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قُلْت: قَدْ كَتَبْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهَا فَأَقُولُ هُنَا: إنَّ جَوَابَاتِ أَحْمَد وَنُصُوصَهُ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِي نَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ خَرَّجَ كَلَامَهُ عَلَى الْحَمَّامَاتِ الَّتِي يَعْهَدُهَا فِي الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَهِيَ جُمْهُورُ الْبِلَادِ الَّتِي انْتَابَهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَى خُرَاسَانَ وَلَمْ يَأْتِ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ إلَّا مَرَّةً فِي مَجِيئِهِ إلَى دِمَشْقَ . وَهَذِهِ الْبِلَادُ الْمَذْكُورَةُ الْغَالِبُ عَلَيْهَا الْحَرُّ وَأَهْلُهَا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْحَمَّامِ غَالِبًا ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْحِجَازِ حَمَّامٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ . وَلَمْ يَدْخُلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَّامًا وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْحَمَّامَ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ . وَلَكِنْ عَلِيٌّ لَمَّا قَدِمَ الْعِرَاقَ كَانَ بِهَا حَمَّامَاتٌ وَقَدْ دَخَلَ الْحَمَّامَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبُنِيَ بِالْجُحْفَةِ حَمَّامٌ دَخَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابُ أَحْمَد كَانَ مُطْلَقًا فِي نَفْسِهِ وَصُورَةُ الْحَاجَةِ لَمْ يَسْتَشْعِرْهَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا فَلَا يَكُونُ جَوَابُهُ مُتَنَاوِلًا لَهَا فَلَا يُحْكَى عَنْهُ فِيهَا كَرَاهَةٌ . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِجَوَابِهِ الْمَنْعَ الْعَامَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا وَهَذَا أَبْعَدُ الْمَحَامِلِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فَإِنَّ أُصُولَهُ وَسَائِرَ نُصُوصِهِ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ تَأْبَى ذَلِكَ وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا مَرِضَ وُصِفَ لَهُ الْحَمَّامُ . وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ اقْتِدَاءً بِابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُهَا وَيَقُولُ هِيَ: مِنْ رَقِيقِ الْعَيْشِ وَهَذَا مُمْكِنٌ فِي أَرْضٍ يَسْتَغْنِي أَهْلُهَا عَنْ الْحَمَّامِ كَمَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْفِرَاءِ وَالْحَشَايَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ . وَالْكَلَامُ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَفْصِيلِ حُكْمِ مَا ذُكِرَ مِنْ بِنَائِهَا وَبَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا وَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ: فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُحْتَاجُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مَحْظُورٍ أَوْ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا وَلَا مَحْظُورَ أَوْ يُحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ الْمَحْظُورِ أَوْ يَكُونُ هُنَاكَ مَحْظُورٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا رَيْبَ فِي الْجَوَازِ: مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ حَمَّامًا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ وَلَا يَفْعَلُ فِيهَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُنَا حَاجَةٌ . أَوْ مِثْلَ: أَنْ يُقَدَّرَ بِنَاءُ حَمَّامٍ عَامَّةً فِي بِلَادٍ بَارِدَةٍ وَصِيَانَتُهَا عَنْ كُلِّ مَحْظُورٍ فَإِنَّ الْبِنَاءَ وَالْبَيْعَ وَالْكِرَاءَ هُنَا بِمَنْزِلَةِ دُخُولِ الرَّجُلِ إلَى الْحَمَّامِ الْخَاصَّةِ أَوْ الْمُشْتَرِكَةِ مَعَ غَضِّ بَصَرِهِ وَحِفْظِ فَرْجِهِ وَقِيَامِهِ بِمَا يَجِبُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِي جَوَازِهِ وَقَدْ دَخَلَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ . وَأَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ . كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخدري الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو داود وَابْنُ ماجه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ } وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدُوا فِي الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ . وَقَدْ أَرْسَلَهُ طَائِفَةٌ وَأَسْنَدَهُ آخَرُونَ وَحَكَمُوا لَهُ بِالثُّبُوتِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ الْحَمَّامَ مِنْ الْأَرْضِ كَاسْتِثْنَائِهِ الْمَقْبَرَةَ فِي كَوْنِهَا مَسْجِدًا دَلِيلٌ عَلَى إقْرَارِهَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ لَا يُنْهَى عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت