فهرس الكتاب
فَجَعَلَ آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى . وَخَلَقَ زَوْجَهُ حَوَّاءَ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى . وَخَلَقَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ . وَخَلَقَ سَائِرَهُمْ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى . وَآتَى عَبْدَهُ الْمَسِيحَ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ: فَأَحْيَا الْمَوْتَى وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَنْبَأَ النَّاسَ بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَدَعَا إلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ مُتَّبَعًا سُنَّةَ إخْوَانِهِ الْمُرْسَلِينَ مُصَدِّقًا لِمَنْ قَبْلَهُ وَمُبَشِّرًا بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ . وَكَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ قَدْ عَتَوْا وَتَمَرَّدُوا وَكَانَ غَالِبُ أَمْرِهِ اللِّينَ وَالرَّحْمَةَ وَالْعَفْوَ وَالصَّفْحَ وَجَعَلَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَجَعَلَ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا . فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ ثَلَاثَةَ أَحْزَابٍ: قَوْمٌ كَذَّبُوهُ وَكَفَرُوا بِهِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ ابْنُ بَغْيٍ وَرَمَوْا أُمَّهُ بِالْفِرْيَةِ وَنَسَبُوهُ إلَى يُوسُفَ النَّجَّارِ وَزَعَمُوا أَنَّ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْسَخْ مَا شَرَعَهُ بَعْدَ مَا فَعَلُوهُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْآصَارِ فِي النَّجَاسَاتِ وَالْمَطَاعِمِ . وَقَوْمٌ غَلَوْا فِيهِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ اللَّهُ أَوْ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّاهُوتَ تَدَرَّعَ النَّاسُوتُ وَأَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ وَأَنْزَلَ ابْنَهُ لِيُصْلَبَ وَيُقْتَلَ ؛ فِدَاءً لِخَطِيئَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلُوا الْإِلَهَ الْأَحَدَ الصَّمَدَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ . قَدْ وَلَدَ وَاِتَّخَذَ وَلَدًا ؛ وَأَنَّهُ إلَهٌ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ وَأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهَا أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ وَهِيَ الْعِلْمُ [ وَ ] هِيَ تَدَرَّعَتْ النَّاسُوتُ الْبَشَرِيُّ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهُ عَنْ الْآخَرِينَ ؛ إلَّا إذَا جَعَلُوهُ ثَلَاثَةَ إلَهَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ . وَذَلِكَ مَا لَا يَقُولُونَهُ . وَتَفَرَّقُوا فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ تَفَرُّقًا وَتَشَتَّتُوا تَشَتُّتًا ؛ لَا يُقِرُّ بِهِ عَاقِلٌ . وَلَمْ يَجِئْ نَقْلٌ إلَّا كَلِمَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الْكُتُبِ قَدْ بَيَّنَتْهَا كَلِمَاتٌ مُحْكَمَاتٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَمَا قَبْلَهُ كُلُّهَا تَنْطِقُ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ وَعِبَادَتِهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَدُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ . وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الدِّينِ هُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا قَالَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ: { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ } وَقَالَ: { لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ } كَانَ أَمْرُ الدِّينِ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَالْإِقْرَارَ بِرُسُلِهِ . وَلِهَذَا كَانَ الصَّابِئُونَ وَالْمُشْرِكُونَ كالبراهمة وَنَحْوِهِمْ مِنْ مُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ مُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ فِي إقْرَارِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ وَفَاسِدِي الِاعْتِقَادِ فِي رُسُلِهِ . فَأَرْبَابُ التَّثْلِيثِ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ وَالِاتِّحَادِ فِي الرِّسَالَةِ قَدْ دَخَلَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ مِنْ الْفَسَادِ مَا هُوَ بَيِّنٌ بِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَبِكُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا . وَلِهَذَا كَانَ عَامَّةُ رُؤَسَائِهِمْ - مِنْ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ وَمَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مِنْ الْبَطَارِقَةِ وَالْمَطَارِنَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ - إذَا صَارَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فَاضِلًا مُمَيَّزًا فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ عَنْ دِينِهِ وَيَصِيرُ مُنَافِقًا لِمُلُوكِ أَهْلِ دِينِهِ وَعَامَّتِهِمْ رَضِيَ بِالرِّيَاسَةِ عَلَيْهِمْ وَبِمَا يَنَالُهُ مِنْ الْحُظُوظِ ؛ كَاَلَّذِي كَانَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ"ابْنُ الْبُورِيِّ"وَاَلَّذِي كَانَ بِدِمَشْقَ الَّذِي يُقَالُ لَا"ابْنُ الْقُفِّ"وَاَلَّذِي بقسطنطينية وَهُوَ"الْبَابَا"عِنْدَهُمْ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ كِبَارِ الْبَابَاوَاتِ وَالْمَطَارِنَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ لَمَّا خَاطَبَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ أَقَرُّوا لَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى عَقِيدَةِ النَّصَارَى ؛ وَإِنَّمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْعَادَةِ وَالرِّيَاسَةِ كَبَقَاءِ الْمُلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ عَلَى مُلْكِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَلِهَذَا تَجِدُ غَالِبَ فُضَلَائِهِمْ إنَّمَا هِمَّةُ أَحَدِهِمْ نَوْعٌ مِنْ الْعِلْمِ الرِّيَاضِيِّ . كَالْمَنْطِقِ وَالْهَيْئَةِ وَالْحِسَابِ وَالنُّجُومِ ؛ أَوْ الطَّبِيعِيِّ كَالطِّبِّ