فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 743

وَالسِّيَاسَاتِ فَكَيْفَ تَسْتَحِلُّونَ أَنْ تَسْتَوْلُوا عَلَى مَنْ أَخَذَ غَدْرًا أَفَتَأْمَنُونَ مَعَ هَذَا أَنْ يُقَابِلَكُمْ الْمُسْلِمُونَ بِبَعْضِ هَذَا وَتَكُونُونَ مَغْدُورِينَ وَاَللَّهُ نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ ؛ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَالْأُمَّةُ قَدْ امْتَدَّتْ لِلْجِهَادِ . وَاسْتَعَدَّتْ لِلْجَلَّادِ . وَرَغِبَ الصَّالِحُونَ وَأَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ فِي طَاعَتِهِ وَقَدْ تَوَلَّى الثُّغُورَ السَّاحِلِيَّةَ أُمَرَاءُ ذَوُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَقَدْ ظَهَرَ بَعْضُ أَثَرِهِمْ وَهُمْ فِي ازْدِيَادٍ . ثُمَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ الفداوية الَّذِينَ يَغْتَالُونَ الْمُلُوكَ فِي فُرُشِهَا وَعَلَى أَفْرَاسِهَا: مَنْ قَدْ بَلَغَ الْمَلِكُ خَبَرُهُمْ ؛ قَدِيمًا وَحَدِيثًا . وَفِيهِمْ الصَّالِحُونَ الَّذِينَ لَا يَرُدُّ اللَّهُ دَعَوَاتِهِمْ وَلَا يُخَيِّبُ طَلَبَاتِهِمْ الَّذِينَ يَغْضَبُ الرَّبُّ لِغَضَبِهِمْ وَيَرْضَى لِرِضَاهُمْ . وَهَؤُلَاءِ التَّتَارُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَانْتِسَابِهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ لَمَّا غَضِبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ الْبَلَاءِ مَا يَعْظُمُ عَنْ الْوَصْفِ . فَكَيْفَ يَحْسُنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ بِقَوْمِ يُجَاوِرُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَكْثَرِ الْجِهَاتِ أَنْ يُعَامِلُوهُمْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ الَّتِي لَا يَرْضَاهَا عَاقِلٌ ؛ لَا مُسْلِمٌ وَلَا مُعَاهَدٌ . هَذَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا ذَنْبَ لَهُمْ أَصْلًا ؛ بَلْ هُمْ الْمَحْمُودُونَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ ؛ فَإِنَّ الَّذِي أَطْبَقَتْ الْعُقَلَاءُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِفَضْلِهِ هُوَ دِينُهُمْ حَتَّى الْفَلَاسِفَةُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطْرُقْ الْعَالَمَ دِينٌ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الدِّينِ . فَقَدْ قَامَتْ الْبَرَاهِينُ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ . ثُمَّ هَذِهِ الْبِلَادُ مَا زَالَتْ بِأَيْدِيهِمْ السَّاحِلُ ؛ بَلْ وَقُبْرُصُ أَيْضًا مَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ إلَّا مِنْ أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ وَقَدْ وَعَدَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . فَمَا يُؤْمِنُ الْمَلِكُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى الْمَظْلُومِينَ بِبَلْدَتِهِ يَنْتَقِمُ لَهُمْ رَبُّ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ كَمَا يَنْتَقِمُ لِغَيْرِهِمْ وَمَا يُؤَمِّنُهُ أَنْ تَأْخُذَ الْمُسْلِمِينَ حَمِيَّةُ إسْلَامِهِمْ فَيَنَالُوا مِنْهَا مَا نَالُوا مِنْ غَيْرِهَا وَنَحْنُ إذَا رَأَيْنَا مِنْ الْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ مَا يَصْلُحُ عَامَلْنَاهُمْ بِالْحُسْنَى وَإِلَّا فَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ . وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَيْسَرِ الْأُمُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . وَأَنَا مَا غَرَضِي السَّاعَةَ إلَّا مُخَاطَبَتُكُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَفِعْلِ مَا يَجِبُ . فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمَلِكِ مَنْ يَثِقُ بِعَقْلِهِ وَدِينِهِ فَلْيَبْحَثْ مَعَهُ عَنْ أُصُولِ الْعِلْمِ وَحَقَائِقِ الْأَدْيَانِ وَلَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الْمُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ ؛ إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ ؛ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا . وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ وَتَسْأَلَهُ الْهِدَايَةَ وَتَقُولَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا وَأَعِنِّي عَلَى اتِّبَاعِهِ . وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَأَعِنِّي عَلَى اجْتِنَابِهِ وَلَا تَجْعَلْهُ مُشْتَبَهًا عَلَيَّ فَأَتَّبِعَ الْهَوَى فَأَضِلَّ . وَقُلْ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَالْكِتَابُ لَا يَحْتَمِلُ الْبَسْطَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ؛ لَكِنَّ أَنَا مَا أُرِيدَ لِلْمَلِكِ إلَّا مَا يَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُمَا شَيْئَانِ . ( أَحَدُهُمَا لَهُ خَاصَّةً وَهُوَ مَعْرِفَتُهُ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَانْكِشَافِ الْحَقِّ وَزَوَالِ الشُّبْهَةِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ كَمَا أَمَرَ . فَهَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا . وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْمَسِيحَ وَعَلَّمَهُ الْحَوَارِيِّينَ . ( الثَّانِي لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُسَاعَدَتُهُ لِلْأَسْرَى الَّذِينَ فِي بِلَادِهِ وَإِحْسَانُهُ إلَيْهِمْ وَأَمْرُ رَعِيَّتِهِ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَالْمُعَاوَنَةُ لَنَا عَلَى خَلَاصِهِمْ ؛ فَإِنَّ فِي الْإِسَاءَةِ إلَيْهِمْ دَرْكًا عَلَى الْمَلِكِ فِي دِينِهِ وَدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَرْكًا مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمُعَاوَنَةِ عَلَى خَلَاصِهِمْ حَسَنَةٌ لَهُ فِي دِينِهِ وَدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَكَانَ الْمَسِيحُ أَعْظَمَ النَّاسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت