فهرس الكتاب
بَيْعًا أَوْ إجَارَةً . وَلِهَذَا جَوَّزَ أَحْمَد إصْدَاقَ الْأَرْضِ الخراجية وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا وَأُجْرَةً . وَمَا كَانَ ثَمَنًا كَانَ مُثَمَّنًا . فَهَذَا بَابٌ يَنْبَغِي تَأَمُّلُهُ . يَبْقَى إذَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ: هَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّغَارِ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجِهَادِ بِالْحِرَاثَةِ . فَهَذِهِ مَوَاضِعُ أُخَرُ - غَيْرُ كَوْنِهِ وَقْفًا - تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ وَالْأَوْقَاتِ كَمَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ الْيَهُودَ عَلَى خَيْبَرَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ يُعَمِّرُونَهَا } فَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الخراجية إذَا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ كَانَ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهَا بِالْخَرَاجِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَبْقَوْا فُقَرَاءَ مَحَاوِيجَ وَالْكُفَّارُ يَسْتَغِلُّونَ الْأَرْضَ بِالْخَرَاجِ الْيَسِيرِ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا زَمَنَ عُمَرَ قَلِيلًا وَأَهْلُ الذِّمَّةِ كَثِيرًا . وَقَدْ يُعْكَسُ الْأَمْرُ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَهُمْ عَلَى خَيْبَرَ ثُمَّ عَمَّرَهَا الْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَتَضَرَّرُوا بِبَقَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَكَانَ الْمَعْنَى ضَرَرَ الْمُسْلِمِينَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَاكْتِفَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسْلِمِينَ . فَكَيْفَ إذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْأَرْضِ الخراجية ؛ وَتَضَرَّرُوا بِبَقَائِهَا فِي أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ فَرَأَى مَنْ احْتَاجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَاوِضَ الذِّمِّيَّ عَنْهَا وَيَقُومَ مَقَامَهُ فِيهَا . فَإِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى أُجْرَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِاسْتِئْجَارِ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ وَعِمَارَتِهَا وَإِنْ كَانَ ثَمَنًا فَهُوَ أَحَقُّ بِاشْتِرَائِهَا وَإِنْ كَانَ عِوَضًا ثَالِثًا فَهُوَ بِهِ أَحَقُّ أَيْضًا . وَمَتَى كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَبْقَ صَغَارٌ وَلَا جِزْيَةٌ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ صَغَارٌ وَجِزْيَةٌ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ الَّذِي هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَبْقَى بِيَدِهِ مُؤَدِّيًا لِخَرَاجِهَا وَسَقَطَ عَنْهُ جِزْيَةُ جُمْجُمَتِهِ فَكَيْفَ يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا . وَإِذَا جَازَ أَنْ تَبْقَى بِيَدِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مُسْلِمٍ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْمُسْلِمُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ بِحَالِ فَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ كَوْنَهَا صَغَارًا لَمْ يُجَامِعْ الْإِسْلَامَ كَجِزْيَةِ الرَّأْسِ . وَلَا يُقَالُ: هِيَ كَالرِّقِّ تَمْنَعُهُ الْإِسْلَامَ ابْتِدَاءً وَلَا تَمْنَعُ دَوَامَهُ لِأَنَّ الرِّقَّ قَهَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ لَمْ نعاوضهم عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ جِزْيَةُ الرَّأْسِ لَا نُمَكِّنُهُمْ مِنْ الْمُقَامِ بِالْأَرْضِ الْإِسْلَامِيَّةِ إلَّا بِهَا فَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الرِّقِّ لِثُبُوتِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُسْتَرَقِّ . وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِرِضَى الْمُخَارَجِ وَاخْتِيَارِهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْأَرْضَ مِنَّا لَمْ نَدْفَعْهَا إلَيْهِ ؛ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ الَّتِي عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا أَهْلَ خَيْبَرَ سَوَاءٌ: هُنَاكَ كَانَ الْعِوَضُ جُزْءًا مِنْ الزَّرْعِ وَهُنَا الْعِوَضُ مُسَمًّى مَعْلُومٌ . وَهُنَاكَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا إذَا زَرَعُوا وَهُنَا يَسْتَحِقُّ إذَا أَمْكَنَهُمْ الزَّرْعُ . فَنَظِيرُهُ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُزَارَعَةِ يُعَامِلُ غَيْرَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ ؛ إذْ أَنَّ الْمَضَارِبَ يَدْفَعُ الْمَالَ مُضَارَبَةً لَكِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمَالِكِ لِتَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَوَانِعُ مِنْ كَوْنِهَا وَقْفًا يُنْظَرُ فِيهَا . أَمَّا جِهَةُ الْوَقْفِ فَلَا يَتَوَجَّهُ كَوْنُهَا مَانِعًا عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَبَدًا . وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْحِرَاثَةِ عَنْ الْجِهَادِ فَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأرضين ؛ عَشْرِيِّهَا وخراجيها وَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ .
حكم المكس (1)
وَسُئِلَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ عَنْ مَدِينَةٍ لَا يُذْبَحُ فِيهَا شَاةٌ إلَّا وَيَأْخُذُ الْمُكَّاسُ سِقْطَهَا وَرَأْسَهَا وكوارعها مَكْسًا ثُمَّ يَضَعُ ذَلِكَ وَيَبِيعُهُ فِي الْأَسْوَاقِ وَفِي الْمَدِينَةِ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ شِرَاءِ ذَلِكَ وَأَكْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَيْسَ يُبَاعُ فِي الْمَدِينَةِ رُءُوسٌ وكوارع وَأَسْقَاطٌ إلَّا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ . فَهَلْ يَحْرُمُ شِرَاءُ ذَلِكَ وَأَكْلُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ ؟ أَمْ لَا ؟ .
الْجَوَابُ
(1) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 7 / ص 12)