فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 743

قلنا أولا: إن هذا يفيدنا أن السب في الجملة من الذمي مهدر لدمه ناقض لعهده و يبقى الكلام في الناقض للعهد: هل هو نوع خاص من السب ـ و هو ما كثر أو غلظ ـ أو مطلق السب ؟ هذا نظر آخر فما كان مثل هذا السب وجب أن يقال إنه مهدر لدم الذمي حتى لا يسوغ لأحد أن يخالف نص السنة فلو زعم زاعم أن شيئا من الكلام الذمي و أذاه لا يبيح دمه كان مخالفا للسنة الصحيحة الصريحة خلافا لا عذر فيه لأحد

و قلنا ثانيا: لا ريب أن الجنس الموجب للعقوبة قد يتغلظ بعض أنواعه صفة أو قدرا أوصفة و قدرا فإنه ليس قتل واحد من الناس مثل قتل والد أو ولد عالم صالح و لا ظلم بعض الناس مثل ظلم يتيم فقير بين أبوين صالحين و ليست الجناية في الأوقات و الأماكن و الأحوال المشرفة كالحرم و الإحرام و الشهر الحرام كالجناية في غير ذلك و كذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ الديات إذا تغلظ القتل بأحد هذه الأسباب و قال النبي صلى الله عليه و سلم ـ و قد قيل له: أي الذنب أعظم ؟ ـ قال: [ أن تجعل لله ندا و هو خلقك ] قيل له: ثم أي ؟ قال: [ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ] قيل له: ثم أي ؟ قال: [ ثم أن تزاني حليلة جارك ] و لا شك أن من قطع الطريق مرات متعددة و سفك دماء خلق من المسلمين و كثر منه أخذ الأموال كان جرمه أعظم من جرم من لم يقطعه إلا مرة واحدة و لا ريب أن من أكثر من سب النبي صلى الله عليه و سلم أو نظم القصائد في سبه فإن جرمه أغلظ من جرم من سبه بالكلمة الواحدة المنثورة بحيث أن تكون إقامة الحد عليه أوكد و الانتصار لرسول الله صلى الله عليه و سلم أوجب و 'ن المقل لو كان أهلا أن يعفى عنه لم يكن هذا أهلا لذلك

لكن هذا الحديث كغيره من الأحاديث يدل على أن جنس الأذى لله و رسوله و مطلق السب الظاهر مهدر لدم الذمي ناقض لعهده و إن كان بعض الأشخاص أغلظ جرما من بعض لتغلظ سبه نوعا أو قدرا و ذلك من وجوه: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ؟ ] فجعل علة الندب إلى قتله أنه آذى الله و رسوله و أذى الله و رسوله اسم مطلق ليس مقيدا بنوع و لا بقدر فيجب أن يكون أذى الله و رسوله علة للانتداب إلى قتل من فعل ذلك من ذمي و غيره و قليل السب و كثيره و منظومه و منثوره أذى بلا ريب فيتعلق به الحكم و هو أمر الله و رسوله بقتله و لو لم يرد هذا المعنى لقال: من لكعب فإنه قد بالغ في أذى الله تعالى و رسوله أو قد أكثر من أذى الله و رسوله أو قد داوم على أذى الله و رسوله و هو صلى الله عليه و سلم الذي أوتي جوامع الكلم و هو الذي لا ينطق عن الهوى و لم يخرج من بين شفتيه صلى الله عليه و سلم إلا حق في غضبه و رضاه و كذلك قوله في الحديث الأخر: [ إنه نال منا الأذى و هجانا بالشعر و لا يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف ] و لم يقيده بالكثرة

الثاني: أنه آذاه بهجائه المنظوم و اليهودية بكلام منثور و كلاهما أهدر دمه فعلم أن النظم ليس له تأثير في أصل الحكم إذ لم يخص ذلك الناظم و الوصف إذا ثبت الحكم بدونه كان عديم التأثير فلا يجعل جزءا من العلة و لا يجوز أن يكون هذا من باب تعليل الحكم بعلتين لأن ذاك إنما يكون إذا لم تكن إحداهما مندرجة في الأخرى كالقتل و الزنا أما إذا اندرجت إحداهما في الأخرى فالوصف الأعم هو العلة و الأخص عديم التأثير الوجه الثالث: أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله و كثيره و غليظه و خفيفه في كونه مبيحا للدم سواء كان قولا أو فعلا كالردة و الزنا و المحاربة و نحو ذلك و هذا هو قياس الأصول فمن زعم أن من الأقوال أو الأفعال ما يبيح الدم إذا كثر و لا يبيحه مع القلة فقد خرج عن قياس الأصول و ليس له ذلك إلا بنص يكون أصلا بنفسه و لا نص يدل على إباحة القتل في الكثير دون القليل و ما ذهب إليه المنازع من جواز قتل من كثر منه القتل بالمثقل و الفاحشة في الدبر دون القبل إنما هو حكاية مذهب و الكلام في الجميع واحد

ثم إنه قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه رضخ رأس يهودي بين حجرين لأنه فعل ذلك بجارية من الأنصار فقد قتل من قتل بالمثقل قودا مع أنه لم يتكرر منه و قال في الذي يعمل عمل قوم لوط [ اقتلوا الفاعل و المفعول به ] و لم يعتبر التكرر و كذلك أصحابه من بعده قتلوا فاعل ذلك إما رجما أو حرقا أو غير ذلك مع عدم التكرر

و إذا كانت الأصول المنصوصة أو المجمع عليها مستوية في إباحة الدم بين المرة الواحدة و المرات المتعددة كان الفرق بينهما في إباحة الدم إثبات حكم بلا أصل و لا نظير له بل على خلاف الأصول الكلية و ذلك غير جائز

يوضح ذلك: أن ما ينقص الإمان من الأقوال يستوي فيه واحده و كثيره و إن لم يصرح بالكفر كما لو كفر بآية واحدة أو بفريضة ظاهرة أو بسب الرسول مرة واحدة فإنه كما [ لو ] صرح بتكذيب الرسول

و كذلك ما ينقض الإمان من الأقوال لو صرح به و قال: [ قد نقضت العهد و برئت من ذمتك ] انتقض عهده بذلك ويكرره فكذلك ما يستلزم ذلك من السب و الطعن في الدين و نحو ذلك لا يحتاج إلى تكرير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت