فهرس الكتاب

الصفحة 608 من 743

وأتى البعض بشبهة فقالوا: وماذنبهم ــ أي أهل الكتاب ــ إذ كان انعدام عقد الذمة ليس من جهة امتناعهم عنه بل من جهة غياب الدولة الإسلامية، ولعلها لو وجدت لدخلوا في الذمة؟.

والجواب: أن هذه شبهة فاسدة لأنها من الاحتجاج الفاسد بالقدر، فقيام دولة الإسلام أو ذهابها شئ قدّره الله، فإن وجدت وجدت معها أحكام معينة هذا منها، وإن ذهبت زالت هذه الأحكام. وهذا يشبه قول من قال ماذنب هذا الكافر المقلد لأبويه الكافرين ولعله لو ولد لأبوين مسلمين لكان مسلمًا، هذا شئ قدّره الله، ولايحتج بقدر الله لإبطال شرع الله، كالذين ذمهم الله في قوله تعالى (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، إن أنتم إلا في ضلال مبين) يس 47، فاحتج هؤلاء بالقدر (وهو أن الله أراد جوع هذا الجائع ولو شاء لأطعمه) على إبطال الشرع (وهو أمرهم بالإنفاق والصدقة) ، فحكم الله تعالى بضلال من يحتج بمثل هذا فقال سبحانه (إن أنتم إلا في ضلال مبين) . فكذلك أصحاب هذه الشبهة احتجوا بالقدر (وهو إرادة الله تعالى زوال دولة الإسلام) على إبطال الشرع (وهو أن الكافر غير المعاهد مهدر الدم والمال) فنجيبهم بقول الله تعالى (إن أنتم إلا في ضلال مبين) .

وأضيف فأقول إن إسقاط أحكام أهل الذمة في بلد كمصر قد قوبل بارتياح وترحيب كبيرين من النصارى، وتبع ذلك مقاومتهم لأي توجه إسلامي للحكومة العلمانية بمصر بداية من مهاجمتهم لفكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وانتهاء باعتراضهم على تطبيق أحكام الشريعة عليهم إذا كان في نية الحكومة المصرية العمل بها أو ببعضها، ومن هذا الباب تقدم الأزهر ووزارة العدل بمشروع قانون الحدود إلى مجلس الشعب لإقراره عام 1977م، وتجمد المشروع في خزانة مجلس الشعب، ولكن هذه الخطوة قوبلت برد فعل عاصف من جهة النصارى فعقدوا مؤتمرهم بالاسكندرية في 17/1/1977م حضره كبيرهم شنودة وسائر ممثلي الأقباط وأصدر المؤتمر بيانًا طالب فيه بالغاء مشروع قانون الردة واستبعاد التفكير في تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين. انظر (المرجع السابق) لسميرة بحر، صـ 156، وكتاب (المسألة الطائفية في مصر) ط دار الطليعة 1980م، صـ 36 ــ 37. وطلبهم الأخير هذا يعتبر نقضًا جماعيا لعقد الذمة لو افترضنا وجوده وسريان مفعوله حينئذٍ.

وبعد: فقد كان هذا عرضًا موجزًا لما كان عليه الحال وما آل إليه بشأن أهل الكتاب في بلاد المسلمين، ومع أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض من يسمون بأهل الذمة، إلا أن هذا لا يمنع من دراسة الموضوع ومعرفة أحكامه خاصة بالنسبة لطلاب العلم المتخصصين، وليدركوا التحريفات التي أراد بعض العصريين إدخالها عليه.

وعلى هذا فسوف أذكر فيما يلي المراجع الأساسية لدراسة هذا الموضوع، ثم أذكر بعض الكتب المعاصرة التي اشتملت على تحريفات في هذا الموضوع وذلك للتحذير منها.

رابعا: المراجع الأساسية لدراسة هذا الموضوع.

1 ــ كتاب الجزية بكتاب (المغني) لابن قدامة، وقد ورد في آخر كتاب الجهاد، وهو في (المغني مع الشرح الكبير) في جـ 10 من صـ 567 إلى آخره.

2 ــ كتاب الجزية بصحيح البخاري مع شرحه، وهو في (فتح الباري) 6/ 257 ــ 285.

3 ــ كتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، في مجلدين طبع دار العلم للملايين، وهو أوسع مرجع في هذا الموضوع. وله مقدمه لمحققه الدكتور صبحي الصالح ولآخر اسمه د. محمد حميد الدين، كلاهما أتى بأخطاء فاحشة سأعرضها ضمن نقد كتابات المعاصرين إن شاء الله.

4 ــ أبواب الجزية في كتب السياسة الشرعية، (كالأحكام السلطانية) للماوردي، و (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى، و (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام) لبدر الدين بن جماعة، وهذا الكتاب الأخير قد نبهت على بعض أخطاء محققه د. فؤاد عبدالمنعم من قبل عند الكلام في كتب السياسة الشرعية فلتراجع هناك.

5 ــ كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) لشيخ الإسلام ابن تيمية، تناول فيه بعض أحكام أهل الذمة.

6 ــ القسم الأخير بالمجلد الثامن والعشرين من مجموع فتاوي ابن تيمية، وقد تكلم فيه عن أحكام بناء الكنائس وهدمها وأحكام الوقف عليها في دار الإسلام، راجع جـ 28 صـ 601 ــ 668، من (الرسالة القبرصية) إلى آخر المجلد.

7 ــ كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) لابن تيمية، وقد اشتمل على بعض أحكام أهل الذمة.

فهذه أهم مراجع هذا الموضوع (أحكام أهل الذمة) ، والتي بدراستها يتمكن الطالب من تمييز الحق من الباطل في هذا الموضوع، كما يتمكن من نقد الكتب المعاصرة التي تناولته فيميز مافيها من أخطاء.

خامسا: أخطاء المعاصرين في هذا الموضوع:

ارتكزت أخطاء المعاصرين التي زعموا أنها اجتهادات تتناسب مع العصر على أمرين: التشكيك في صحة الشروط العمرية، والقول بأنها وإن صحت فهى غير ملزمة للمعاصرين لأنها مجرد اجتهاد من عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وبهذين الأمرين تحللوا من الشروط العمرية وأطلقوا لأنفسهم حرية مازعموا أنه اجتهاد.

فمن التشكيك في صحة نسبة هذه الشروط إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ماذكره د. صبحي الصالح في مقدمته لكتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، صـ 14 ــ 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت