فهرس الكتاب
ثم قال ابن عباس:["ولن تجد أحدٌ طعمَ الإيمان إلا بذلك ، وقد صارت عامة"
مؤاخاة الناس لأجل الدنيا ، وذلك لا يُجدي على أهله شيئًا"]وصدق- رضي الله عنه- ،فهذا في كتاب الله عز وجل ، قال تعالى: (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) ) (البقرة:166) ."
قال ابن عباس ومجاهد: ( المراد بالأسباب هنا: المودات والصلات التي ليست لأجل الله تعالى ) ز
لماذا ؟ لأن الحب في الله والبغض في الله يراد به وجه الله ،والله تعالى هو الباقي سبحانه الدائم ، فلهذا ما كان لله يبقى ، أما ما لم يكن لله فهو يضمحل، فالشخص الذي يحب آخر من أجل الدنيا هذه الرابطة تنتهي وتفني وتتقطع وتجد أن هؤلاء يتعادون .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: ( والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضًا، وإن كانوا فعلوا بتراضيهم ) .
قال طاووس: ( ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلاَّ تفرقا عن تقال، إلى أن قال: فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الاثنين كانت عاقبتها عداوة ، وإنما تكون على مصلحتها إذا كانت في ذات الله ) 8 .
وهذا واقع ؛ فنجد الذين يجتمعون على شر أو فساد - مثلًا - سرعان ما يتعادون وربما فضح بعضهم الآخر .
قال أبو الوفاء بن عقيل ( 513هـ ) رحمه الله: ( إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة ) .
ثم قال رحمه الله: (عاش ابن الراوندي والمعري عليهم لعائن الله ينظمون وينثرون كفرًا ، عاشوا سنين وعُظمت قبورهم واشترت تصانيفهم ، وهذا يدل على برودة الدين في القلب ) .
والآن أيها الإخوة تجدون كثيرًا من المجلات والصحف والمؤلفات الساقطة التي تحارب دين الله عز وجل ؛ ومع ذلك ترى الكثير من أهل الصلاة قد انكبوا على شرائها أو الاشتراك فيها .
نحن في زمان حصل فيه تلبيس وقلب للمفاهيم ؛ فتجد بعض الناس إذا تحدث عن الحب في الله والبغض في الله قال: هذا يؤدي إلى نفرة الناس ، يؤدي إلى كراهية الناس لدين الله عز وجل .
وهذا الفهم مصيبة ، فالناس يقون في المداهنة والتنازلات في دين الله عز وجل باسم السماحة ، ولا شك أن هذا من التلبيس، فالحب في الله والبغض في الله ينبغي أن يتحقق ، وينبغي أن يكون ظاهرًا ؛ لأن هذا أمر فرضه الله علينا ، ولهذا يقول ابن القيم- رحمه الله- عن مكائد النفس الأمارة بالسوء: ["إنَّ النفس الأمارة بالسوء تُرى صاحبها صورة الصدق وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم ، وأنه يعرض نفسه للبلاء ما لا يطيق ، وأنه يصير غرضًا لسهام الطاعنين وأمثال ذلك من الشبه"] 9
فبعض الناس يقول: لو أحببنا هذا الشخص في الله وأبغضنا فلانًا الكافر أو المرتد لأدّى هذا إلى العداوة وإلى أنه يناصبنا العداء . وهذا من مكائد الشيطان ، فعلى الإنسان أن يحقق ما أمر الله به وهو سبحانه يتولى عباده بحفظه كما قال تعالى: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) ) (الزمر:36) وقال عز وجل: (( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) ) (الطلاق:3) .
المبحث الثاني
معنى الحب في الله والبغض في الله
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه ( قاعدة في المحبة ) : ( أصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعادة البغض ، فإنَّ التحاب يوجب التقارب والاتفاق ، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف ) 10
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن- رحمة الله عليهم-: ( أصل الموالاة: الحب ، وأصل المعاداة: البغض ، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة ؛ كالنصرة والأنس والمعاونة وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال ) 11 .
وسئل الإمام أحمد- رحمه الله- عن الحب في الله ، فقال: ( ألا تُحبه لطمع في ديناه) 12
فمن خلال أقوال هؤلاء الأئمة ونحوهم يتبيّن لنا أن الحب والبغض أمر قلبي ، فالحب محله القلب ، والبغض محله القلب، لكن لا بد لهذا العمل القلبي أن يظهر على الجوارح ، فلا يأتي شخصٌ يقول: أنا أبغض فلانًا في الله ثم تجد الأنس والانبساط والزيارة والنصرة والتأييد لمن أبغضه في الله ! فأين البغض في الله . ... فلا بد أن يظهر على الجوارح ، فلو أبغضنا مثلًا أعداء الله من النصارى ومن اليهود فهذا البغض محلهُ القلب لكن يظهر على الجوارح من عدم بدئهم بالسلام - مثلًا - كما قال- صلى الله عليه وسلم-: (( لا تبدءوا اليهود والنصارى باليهود بالسلام ) )أو من خلال عدم المشاركة في أعيادهم ؛ لأن هذه المشاركة من التعاون على الإثم والعدوان ، والله يقول: (( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم ) ) (المائدة: من الآية2)