فهرس الكتاب
وليس الأمرُ كذلك ، فإنَّ الله تعالى أرحمُ الراحمين ، وهو سُبحانه وتعالى أحكمُ الحاكمين، حيثُ شرعَ بُغض الكفارِ وعداوتهم ، فلا يتوهم أن تحقيق شعيرةِ البراءةِ من الكافرين يؤولُ إلى النفرة عن الإسلام ، بل إنَّ الالتزامَ بهذه الشعيرة - وسائر شعائرِ الإسلام - سببٌ في ظهورِ الإسلام وقبوله، كما وقعَ في القرون المفضلة ،"جاء في سيرةِ ابن هشام أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (( من ظفر به من رجال يهود فاقتلوه ) )فوثب مُحيصةَ بن مسعودِ على ابن سُنَينَة ، رجلٌ من تجارِ اليهود يبايعهم ، فقلتهُ، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم ، وكان أسنّ من محيصة ، فلما قتلهُ جعل حويصةُ يضربهُ ويقول: أي عدوَّ الله أقتلته ؟ أما والله لربَّ شحمٍ في بطنك من ماله ، قال محيصة: فقلتُ له: واللهِ لقد أمرني بقتلهِ من لو أمرني بقتلكَ لضربتُ عُنُقك ، قال: فو الله إن كان لأوّل إسلام حويصة ، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني ؟ قال نعم ، والله لو أمرني بضربِ عنقك لضربتها، قال: والله إنَّ دينًا بلغَ بك هذا لَعجَبٌ ، فأسلم حويصة"24
وها نحنُ نرى الكثير من المسلمين - في هذا العصر - وقد ارتموا في أحضانِ الكفار ، وأحبُّوهم وداهنوهم ، ولم يكن ذلك سببًا في إسلامهم ، بل امتهن الكفارُ أولئك القوم ، وزادوا عتوًّا ونفورًا عن الإسلام وأهله .
وأمرٌ آخر: أنَّ تحقيق هذا الأصلِ سببٌ في إسلامهم، كما كان اليهودُ والنصارى يدفعون الجزية للمسلمين عن صغارٍ وذلة، فكان هذا سببًا في أن ينظروا إلى الإسلام، ويسلموا من أجلِ أن تسقط عنهم الجزية .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( مثل الآصارِ والأغلالِ التي على أهلِ الكتاب ، وإذلالَ المسلمين لهم، وأخذ الجزية منهم ، فهذه قد تكونُ داعيًا له إلى أن ينظرَ في اعتقادهِ، هل هو حقٌّ أو باطل، حتى يتبينَ له الحق ، قد يكونُ مُرغبًا له في اعتقادٍ يخرج به من هذا البلاء ، وكذلك قهرَ المسلمين عدوهم بالأسرِ، يدعوهم للنظرِ في محاسن الإسلام ) 25
البعضُ يقول: إنَّ الكفار تغيّروا، فليسوا كالكفار الأوائل ، نقولُ: هذا غير صحيح، فالكفارُ هم الكفار، وهم أعداؤنا في القديم والحديث ، والله تعالى ذكر في ذلك حكمًا عامًا فقال: (( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) )ٍ (التوبة: من الآية10) وقال: عز وجل: (( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) ) (التوبة: من الآية8) .
البعضُ يحبُ في الله، ويبغضُ في الله، لكن تكونُ هناك شائبة، فعند ما يتفقدُ نفسهُ يجدها تحبُّ لأجل دنيا أو تبغض لأجل دنيا.
مثال: رجلٌ يقول: أنا أبغضُ فلانًا النصراني في الله، لكن عند ما تبحث في أصلِ البغض تجدهُ يبغضهُ لأجل حظٍ أو أثرةٍ. فينبغي أن يمحصَ الحبُّ في الله والبغضُ في الله، بأن يكون خالصًا لله وحده .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: ( من أحبَّ إنسانًا لكونهِ يعطيهِ فما أحب إلاَّ العطاء ، ومن قال إنَّهُ يحبُ من يعطيهِ لله فهذا كذبٌ ومحالٌ وزورٌ من القول ، وكذلك من أحبَّ إنسانًا لكونه ينصرهُ إنما أحب النصر لا الناصر ، وهذا كله من اتباع ما تهوى الأنفس ، فإنَّه لم يحب في الحقيقة إلاَّ ما يصلُ إليه من جلب منفعةٍ أو دفع مضرةٍ ، فهو إنما أحبَّ تلك المنفعة ودفع المضرة ، وليس هذا حبًا لله ولا لذاته المحبوب ، وعلى هذا تجري عامةُ محبة الخلقِ بعضهم مع بعض ، لا يُثابون عليه في الآخرة ولا ينفعهم ، بل رُبما أدَّى هذا للنفاقِ والمداهنةِ، فكانوا في الآخرة من الأخلاءِ الذين بعضهم لبعض عدو إلاَّ المتقين . وإنما ينفعهم في الآخرة الحبُّ في الله ولله وحده. وأمَّا من يرجو النفعَ والضر من شخصٍ ثُمَّ يزعمُ أنَّهُ يحبهُ لله، فهذا من دسائسِ النفوسِ ونفاقِ الأقوال"] 26"
المبحث الخامس
التحذير من مشاركة الكافرين في أعيادهم
إن الكثيرين من المسلمين الذين ابتلوا بمخالطة الكفار سواء في بلاد الكفر أو في أعمال ربما شاركوا الكفار في أعيادهم البدعية ، إما في حفلاتهم أو في التهنئة ، وهذا أمر خطير جدًا ، فمشاركة الكفار في أعيادهم لا شك في تحريمها على أقل الأحوال وربما أفضت إلى الكفر بالله عز وجل . وقد تحدث أهل العلم عن ذلك وحذروا وأنذروا .
قال تعالى في وصف عباد الرحمن: (( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) ) (الفرقان: من الآية72 ) ) والزور كما قال بعض المفسرين هو: أعياد المشركين .
والرسول- صلى الله عليه وسلم- لما قدم إلى المدينة وجد أنهم يلعبون ، فسال عن ذلك فقالوا هذا يومان كنا نلعب في الجاهلية فقال- صلى الله عليه وسلم-: (( قد أبدلكم الله خيرًا من ذلك عيد الفطر وعيد الأضحى ) )27
وكذلك ما جاء في الشروط العمرية التي اشترطها عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - على أهل الذمة وهو ألا يظهروا أعيادهم ؛ لأن الأعياد من جملة العبادات ، فكما لا يجوز أن يظهروا صليبهم ونحو ذلك أيضًا لا يجوز أن يظهروا أعيادهم .
ولهذا تجد أهل العلم في غاية التحذير من هذا الأمر حتى إن بعض علماء الأحناف قال:"من أهدى لمجوسي بيضة في يوم النيروز فقد كفر".