فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 743

فلا بد إذًا أن تنداح لدعوة الإسلام هذه الموانعُ وتنزاحَ أمامه كل العقباتُ؛ ليسمع الناس دعوة الإسلام كما هي في صفائها وموافقتها للفطرة، لا كما كانوا يسمعونها من أعدائها مشوَّهةً بالأباطيل المختلقة. فإذا بلغتهم كما هي في حقيقتها فهم وما اختاروا لأنفسهم.

وشُرع الجهاد (في أعظم ما شُرع) : ليفتح البلاد ويحطم ما نُصب فيها من الطواغيت الباغية، وما تقنِّنه من النظم المستبدة الجائرة؛ ليقيم مكانها نظامَ الإسلام (جهاد الطلب) .

وهذا النوع من الجهاد يتطلب قوةً وقدرةً، ولا يتحقق إلا مع ظهور شوكة المسلمين وتحقق وحدتهم وتمكينهم في الأرض.

أما مع حال الضعف والتفرق ـ كما هو حال الأمة اليوم ـ فلا يجب عليهم إلا النوع الأول من الجهاد: وهو جهاد الدفع ـ أي دفع المعتدين على بلاد المسلمين ومقدساتهم وأموالهم ـ ، كما يجب عليهم في هذه الحال أن يأخذوا بأسباب القوة والمنعة، والاعتصام ونبذ الفرقة؛ فلا يمكن أن تقوم لدولة الإسلام قائمة ما لم تكن لها قوةٌ تحميها وتناضل عنها.

إن شريعة الإسلام يجب أن تحكم أرجاء الأرض، حتى لا يُظلم في كنفها مسلم ولا كافر، ولا عجب! فالكتاب إنما نزل ليقوم الناس بالقسط"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط..."الآية سورة [الحديد:25] ، بيد أن الإسلام إنما ضمن للكافر هذا بشرطه، وشرطُه: أن يحترمَ شعائرَ الإسلام وعقائدَه، وأن يخضعَ لنظامه وشريعتِه.

إن إرضاخ البلاد والأقاليم لحكم الإسلام يعني ـ في أول ما يعنيه ـ إقامةَ العدل"ليقوم الناس بالقسط"الذي لا قيام له إلا بتحكيم شريعة الله في أرضه، لا لإكراه الكفارِ على الدخول فيه، فلهم أن يبقوا على دينهم، وأن يمارسوا شعائرهم في بيوتهم، لكنْ يقابل هذا الحقَّ واجبٌ عليهم لا بد وأن يلتزموه، وهو: أن يخضعوا لحكم الإسلام في مخالطتهم للمجتمع، وفي شؤونه الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وأن يحترموا نظمَه ويسالموه، فلا يقاوموا دعوته ولا يفتنوا أهله.

ولو كان الجهاد لإرغام الكفار على الدخول في الإسلام لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم إذا اختاروا الجزية، وَلَمَا نهى عن قتل النساء والصبيان في الغزو، وحين رأى مرةً امرأة مقتولةً في إحدى غزواته قال:"ما كان لهذه أن تُقاتِل"أحمد (5959) ، فأشار إلى علة القتل، وهي المقاتلَة.

ولو كان الجهاد لأجل إرغام المشركين على الدخول في الإسلام لَمَا نهى خلفاؤه الراشدون عن قتل الرهبان إذا اعتزلوا الناس، ولم يعينوا على القتال بتدبير أو رأيٍ.

ويدل لذلك دلالة ظاهرة حديث بريدة بن حصيب:"إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم...فإن هم أبوا فسلهم الجزيةَ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم..."الحديث رواه مسلم (1731) .

وهذا الحديث عام في كل مشرك، من العرب وغيرهم، وإنما لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من مشركي العرب لأن آية الجزية إنما نزلت في السنة التاسعة حين لم يبق في الحجاز عربي مشرك محارب.

والجزية التي تؤخذ من الكافر الذمي ليست ضريبةَ رفضه الدخول في الإسلام، وإنما هي مقابل حقن دمه وحماية المسلمين له مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم؛ ولذا كتب خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ لصلوبا بن نسطونا حينما دخل الفرات وأوغل فيها:"إني قد عاهدتكم على الجزية والمنعة، فلك الذمة والمنعة. وما منعناكم (أي حميناكم) فلنا الجزية، وإلا فلا".

وهذا أبو عبيدة رضي الله عنه لما أحس العجزَ عن حماية بعض أهل الذمة في بلادهم كتب إلى ولاته في تلك البلاد يأمرهم أن يردوا عليهم ما جُبي منهم من الجزية، وكتب إليهم أن يقولوا لهم:"إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا إليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط"أخرجه القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج.

إن الغاية العظمى من تشريع الجهاد هي أن تكون كلمة الله هي العليا، كما جاء في الحديث الصحيح أنه لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال:"من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله"متّفقٌ عليه البخاري (123) ، ومسلم (1904) .

وهذه الغاية العظمى (أن تكون كلمة الله هي العليا) تحققها غايات الجهاد وبواعثه التي تقدم ذكرها آنفًا، وهي:

1-حماية الدعوة وضمان تبليغها للناس.

2-سحق الطواغيت وتحطيم النظم الباغية ودفعِ كل مَنْ يقف في طريق الدعوة ويمنع بلوغها إلى الناس.

3-إقامة نظام الإسلام في الأرض ليحتكم الناس إلى شريعته...

وكلٌ من هذه الغايات الثلاث تعمل في إعلاء كلمة الله.

على أن تشريع الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ليس مقتضاه أن يُسلم كلُّ من دعي إليه، بل مقتضاه أن يكون نظامُ الإسلام هو المهيمنَ والحاكمَ على حياة الناس، أما هم فيما يعتقدون فلهم الحرية المطلقة أن يعتقدوا ما شاءوا، ودولة الإسلام تحميهم مما تحمي منه أبناءها مقابل دفع الجزية.

وبعد تقرير أن"لا إكراه في الدين" [البقرة:256] ، وبيان بواعث الجهاد في سبيل الله وغاياته، لا بد من الإجابة عما يُظَنّ أنه معارض لهذه الحقيقة أو ناسخٌ لها من الأدلة الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت