فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 743

وأما المسائل المذكورة فقد تكلم فيها العلماء فلم يذكروا أن أحدا من الصحابة خطأ فيها عمر ولا اتهمه بمخالفة الوحي، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن عمر رضي الله عنه إنما لم ير إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة لعدم الحاجة لتأليفهم نظرا لانتشار الإسلام وقوته ، قال في مجموع الفتاوى: وما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم شرعا معلقا بسبب إنما يكون مشروعا عند وجود السبب كإعطاء المؤلفة قلوبهم فإنه ثابت بالكتاب والسنة ، وبعض الناس ظن أن هذا نسخ لما روي عن عمر أنه ذكر أن الله أغنى عن التأليف ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، وهذا الظن غلط ، ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم فترك ذلك لعدم الحاجة إليه لا لنسخه كما لو فرض أنه عٌدم في بعض الأوقات ابن السبيل ، والغارم ونحو ذلك . أهـ .

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء من قديم، وقد رأى بعضهم سقوط المؤلفة قلوبهم من المصارف ورأى بعضهم خلاف ذلك ورأى بعضهم عدم إعطائهم زمن قوة الإسلام لعدم الحاجة لتأليفهم، فإن احتيج لذلك أعطوا من الزكاة وقد بين أقوالهم فيها ابن قدامة في المغني ، والقرطبي في التفسير، فقال ابن قدامة في شأن المؤلفة: وأحكامهم كلها باقية وبهذا قال الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن علي وقال الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعز الله تعالى الإسلام وأغناه عن أن يتألف عليه رجال ، فلا يعطى مشرك تألفا بحال ، قالوا: وقد روي هذا عن عمر ، ولنا كتاب الله وسنة رسوله ، فإن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء ، وكان يعطي المؤلفة كثيرا ، في أخبار مشهورة , لم يزل كذلك حتى مات . ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ والنسخ لا يثبت بالاحتمال ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لأن النسخ إنما يكون بنص ولا يكون النص بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقراض زمن الوحي ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن وليس في القرآن نسخ كذلك ولا في السنة ، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم ، أو بقول صحابي أو غيره على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك لها قياس فكيف يتركون به الكتاب والسنة قال الزهري لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة ، فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا فكذلك جميع الأصناف إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة فإذا وجد عاد حكمه ، كذا هنا .

وقال القرطبي في التفسير: واخلتف العلماء في بقائهم ( يعني المؤلفة قلوبهم ) فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره ، وهذا مشهور عن مذهب مالك وأصحاب الرأي ، قال بعض علماء الحنفية: لما أعز الله الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين اجتمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على سقوط سهمهم وقال جماعة من العلماء: هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين قال يونس سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخا في ذلك ، قال أبو جعفر النحاس: فعلى هذا الحكم فيهم ثابت فإن كان أحد يحتاج إلى تألفه ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة أو يرجى أن يحسن إسلامه بعد دفع إليه ، قال القاضي عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة ، وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم ، فإن في الصحيح: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ .

وفي الموسوعة الفقهية: اختلف الفقهاء في صنف المؤلفة قلوبهم: فالمعتمد عند كل من المالكية والشافعية والحنابلة أن سهم المؤلفة قلوبهم باق لم يسقط ، وفي قول عند كل من المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة: أن سهمهم انقطع لعز الإسلام فلا يعطون الآن ، لكن إن احتيج لاستئلافهم في بعض الأوقات أعطوا ، قال ابن قدامة: لعل معنى قول أحمد: انقطع سهمهم أي لا يحتاج إليهم في الغالب أو أراد أن الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئا فأما إن احتيج إلى إعطائهم جاز الدفع إليهم فلا يجوز الدفع إليهم إلا مع الحاجة ، وقال الحنفية: انعقد الإجماع على سقوط سهمهم من الزكاة لما ورد أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءا يطلبان من أبي بكر أرضا فكتب لهما بذلك فمرا على عمر فرأى الكتاب فمزقه وقال: هذا شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيكموه ليتألفكم والآن قد أعز الله الإسلام واغنى عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف فرجعا إلى أبي بكر فقالا ما ندري الخليفة أنت أم عمر ؟ فقال هو إن شاء ، ووافقه ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت