فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 743

من الطريف ان اولئك المروجين للتسامح و التواصل و المحبة مع النصارى لا يكتفون بتجاهل البراءة من الكفار و بغض ما هم عليهم من الكفر و إعلانهم بذلك ...و غير هذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة بل تجدهم يستدلون و يستشهدون في معرض كلامهم ذاك بالعهدة العمرية، رغم ان هذه العهدة هي أصلًا سند علماء السلف و الخلف على السواء في أحكام اهل الذمة و المعاهدين المسكوت عنها، و التي صار مجرد الإشارة اليها في اقطار إسلامية معينة كمصر مثلًا من المحرمات الخطيرة التي ستؤدي الى فتنة عمياء و تهديد للأمن القومي و نشر للعنصرية و تشويه للدين ...إلى آخر الإتهامات المعروفة و المحفوظة.

إن هذه الشروط يصلح كل واحد منها لأن يكون موضوعًا وحده، لما تضمنته من أحكام هامة و تفصيلية صارت اليوم مهملة منسية و الله المستعان، سأوردها في عجالة و على القاريء أن يقارن بين هذه الشروط و حال النصارى في ديارنا اليوم:

ذكر سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال:

كتبت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يُؤْوا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه.

وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس.

ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم ولا يتكنوْا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين.

فإن خالفوا شيئًا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.

فهذه بعض من الشروط العمرية التي ارتضاها الفاروق رضي الله عنه ، وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجُّوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعد ذلك الخلفاء، وعملوا بموجبها.

قال ابن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي:

أن عليًا رضي اللّه عنه قال لأهل نجران: إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أغير شيئًا صنعه عمر!، وقال الشعبي: قال عليّ حين قدم الكوفة: ما جئت لأحل عقدة شدّها عمر!

الأمر الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من أن تلك الشروط لم تكن آنية أو متعلقة بحال معينة او حكم توقيفي، بل هي تطبيق صحيح لأحكام أهل الذمة في الدين الإسلامي ككل و طول الدهر، و أي تنازل عنها أو تحريف لها يعد نسفًا لجانب مهم و أساسي من أحكام هذا الدين

3.حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام:

و سأقتصر على تبيان حكم الكنائس في البلاد التي أنشأها المسلمون في الإسلام، مثل بغداد والقاهرة، لأنها المعنية بهذا الموضوع.

إن هذه البلاد صافية للمسلمين، إذا أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة، أو يظهروا فيها خمرًا أو خنزيرًا أو ناقوسًا لم يجز، وِإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدًا، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع.

قال الإمام أحمد

حدثنا معتمر بن سليمان التيْمي عن أبيه عن حنش عن عكرمة قال: سُئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئًا؟، فقال: أيما مصرٍ مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا، ولا يتخذوا فيه خنزيرًا.

و سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الكنائس التي بالقاهرة وكان فيما قاله النصارى على عهده أن هذه الكنائس أقرهم عليها عمر بن الخطاب فكان من جوابه رحمه الله:

وأما قولهم: إن هذه الكنائس قائمة من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها، فهذا أيضًا من الكذب، فإن من العلم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بأكثر من ثلاثمائة سنة.

فهذا هو الحكم الشرعي في بلاد الإسلام التي أنشأها المسلمون، و التي من ضمنها القاهرة كما تبين،و مع ذلك فإن حال الأقباط في هذه المدينة لمما يشيب منه الولدان، و كنائسهم و صلبانهم ظاهرة مستشرية في كل ركن منها، و لا تجد من يصدهم، بل لا تجد إلا من يدافع عن ذلك و يعتبره من سماحة هذا الدين و تعاطفه و تفهمه للأديان الأخرى....إلى آخر ما يفترون.

فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصَرها المسلمون؟

هي على نوعين

أحدهما: أن تحْدَث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر فهذه تُزال اتفاقًا.

وثانيهما: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض، ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تُزال، واللّه أعلم.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت