وينبغي أن نشير هنا إلى أن المسلم قد يقع في مسألة أو مسألتين أو نحو ذلك، فيخالف بذلك مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يعد بذلك مبتدعًا؛ لأنه لم يؤسس أقواله تلك على أصول أهل البدع، ولم يتخذ البدعة له منهجًا، وإنما وقع فيها من قبيل الخطأ؛ فلا يعد مبتدعًا إلا من يؤسس أقواله على أصول أهل البدع. لكن هذا الموقف إنما هو من الشخص القائل. أما الموقف من القول المبتدع فلا يتغير، بل يجب رده وعدم نشره أيًا كان الموقف من قائله، وقد يبدو لبعضهم هنا أن يقول: لماذا لا تُترك لهم حرية نشر أفكارهم وآرائهم على الناس، ثم يُرد عليها ويُبين ما فيها من خطأ. ولا شك أن هذا الكلام يروِّجه بعضهم، وينظرون إليه على أنه من قبيل حرية الفكر، وأن نشر هذا الكلام أوْلى من جعله ينبت في السر والخفاء، لكن هذا القول معارَض بما كان عليه سلفنا الصالح؛ إذ الفتاوى المشهورة عنهم بهجر أصحاب البدع وعدم الجلوس إليهم والاستماع لهم. ثم إن هذا العمل ليس فيه فائدة سوى التشويش على بعض الذين لم ترسخ عندهم الحقائق، إضافة إلى إضاعة الوقت؛ ولهذا لا نرى صواب ما تقوم به بعض وسائل النشر والإعلام من عمل المناظرات والمقابلات بين من يحملون العلم الشرعي، وبين من يناقضون ذلك ويتمسكون بالأقوال المخالفة له؛ إذ لا فائدة ترجى من وراء ذلك؛ فلم نر أن أحدًا على كثرة هذه المناظرات رجع عن مقالاته الفاسدة، وكل ما هنالك أنه تمكن من إسماع باطله لعدد كبير من الناس، ثم إنه قد يتأثر بباطله بعض أصحاب العقول الضعيفة، ولسنا نمانع من إجراء هذه المناظرة وأمثالها؛ ولكن ليس عن طريق النشر في وسائل الإعلام لما يترتب على ذلك من المفاسد التي تزيد عن المصالح المتوقعة. أما إذا لم يكن هناك طريق فعال للرد على تلك الأباطيل غير ذلك؛ فهل يجوز أن نشارك في الرد على أهل الباطل، ومناظرتهم في تلك الوسائل؟ والذي يظهر أن جواب ذلك مرتبط بالمصلحة حسبما تقرر في فقه السياسة الشرعية.
2ـ خلاف في مسائل الفروع [الخلاف الفقهي] :
وهو نوعان: خلاف تنوع وخلاف تضاد. والمراد بخلاف التنوع: هو خلاف في أمور متعددة كلها مشروعة فيختار هذا نوعًا، ويختار ذلك نوعًا آخر، ولا حرج في ذلك. ويلحق بالخلاف في ذلك الاختيارات المتعددة المتعلقة بأمور الدنيا، وهذا النوع لا يُحظر نشره والدعوة إليه بين الناس، وليس من شروط في هذا غير عدم البغي على الآخرين. والمراد بخلاف التضاد: هو التناقض بين الأقوال، وهو أيضًا نوعان:
ـ فخلاف تضاد ضعُفَ فيه أحد القولين ضعفًا كبيرًا لمخالفته النص أو الإجماع أو نحوه، ومثل هذا القول يُنقَض؛ فلو حكم به حاكم نُقض حكمه. وما كان سبيله هذا السبيل فلا يجوز نشره والدعوة إليه والاستدلال له ممن يرى صوابه، وإن جازت حكايته لبيان خطئه وبعده عن الصواب. يقول شيخ الإسلام: 'فإن الأئمة الأربعة متفقون على أنه إنما يُنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو معنى ذلك'.
ـ وخلاف تضاد لم يضعف فيه قول من الأقوال بحيث يُرَدُّ؛ ومسائل هذا النوع يعبر عنها أهل العلم بمسائل الاجتهاد؛ فهذا النوع من الخلاف لا يمنع نشره والدعوة إليه، ومن رأى صواب شيء من الأقوال فله نشر ذلك والدعوة إليه، وعلى ذلك جرى الحال منذ أيام الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إلى يومنا هذا، يختلفون في كثير من هذا النوع من المسائل ولا يحجر بعضهم على بعض أو يبدِّع بعضهم بعضًا أو يفسق بعضهم بعضًا؛ مع الحفاظ على الأخوة والمحبة والألفة. وهكذا يتبين أنه ليس عندنا مشكلة تتعلق بحرية الفكر أو حق التعبير؛ فكل ما يسوغ القول به أو العمل في الشريعة فلا منع ولا حرج من نشره والدعوة إليه، ولكن كثيرًا من القوم يريدون منا تحت زعم 'حرية الفكر' أو 'حق التعبير' أو 'إشاعة ثقافة التعدد' أن نبيح ما لا يباح وأن نتجاوز ما لا يجوز تجاوزه.
وقد سئل شيخ الإسلام عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد؛ فهل ينكر عليه أم يُهجَر؟ وكذلك من يعمل بأحد القولين فأجاب: '، مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه، ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان: فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين. والله أعلم'.
وينبغي أن يُعلم أن التقليد هنا رخصة، ولا يجوز لمستعملها أن يدعو إلى ما تضمنه وينافح عنه ويستدل له، إنما يقوم بذلك من كان لديه علم بالأدلة؛ أما من ليس عنده غير التقليد فإنه لا ينبغي له أن ينشر؛ لأنه ليس من أهل ذلك، ولو تقيد الناس بذلك لقل كثير من الكلام الذي يُنشر؛ لأنه ليس من أهل العلم. قال ابن تيمية رحمه الله: 'ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد؛ فإن هذا فعل أهل الجهل والأهواء'. وقال: 'مسائل الاجتهاد لا يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل؛ فهذا خلاف إجماع المسلمين'.
وسئل رحمه الله عمن ولي أمرًا من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوزِّ 'شركة الأبدان' فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: 'ليس له منع الناس من ذلك ولا من نظائره مما يسوغه فيه الاجتهاد وليس معه نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك'.