فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 743

لِيَنْزِلُوا مَنْزِلَةَ الْإِهَانَةِ وَلَا يَخْرُجُوا مِنْهَا إلَى مَرْتَبَةِ التَّعْظِيمِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ } وَلِأَنَّ عُمَرَ صَالَحَهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ زِيِّهِمْ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَا نُخَالِفُ لَهُ وُجُوبَ مُوَالَاةِ الْمُسْلِمِ وَمُعَادَاةِ الْكَافِرِ وَمُبَايَنَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزٍ وَلَيْسَ إلَّا الزِّيُّ وَلِأَنَّهُ إذْلَالٌ فِي مَعْنَى الْجِزْيَةِ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً لَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ . وَإِنَّمَا لَمْ يَفْعَلْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لِيَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَلِيلِينَ مَعْرُوفِينَ فَلَمَّا كَثُرُوا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَخَشُوا مِنْ الْتِبَاسِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ احْتَاجُوا إلَى تَمْيِيزٍ وَالنَّاظِرُ فِي أَمْرِ الدِّينِ مَمْنُوعٌ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ فِي الْوِلَايَاتِ وَكَانَتْ عَادَةُ الْيَهُودِ الْعَسَلِيُّ قَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّهُ الْأَصْفَرُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَعَادَةُ النَّصَارَى الْأَدْكَنُ , وَهُوَ الْفَاخِتِيُّ وَالْآنَ صَارَتْ عَادَةُ النَّصَارَى الْأَزْرَقُ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لقوله تعالى { وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا } وَعَادَةُ الْيَهُودِ الْأَصْفَرُ عُمِلَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْقَرْنِ حِينَ كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَاضِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَلَوْ جُعِلَ غَيْرُ الْأَصْفَرِ كَانَ أَوْلَى فَقَدْ رَأَيْت فِي كَلَامِ أَبِي يَعْلَى أَنَّ الْأَصْفَرَ مِنْ الْأَلْوَانِ يُمْنَعُونَ مِنْ لِبَاسِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْبَسُهُ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ زِيُّ الْأَنْصَارِ وَبِهِ كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَجَالِسَ وَالْمَحَافِلَ . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى نَصَارَى الشَّامِ أَنْ لَا يَلْبَسُوا عَصَبًا وَلَا خَزًّا فَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ فَسَلَبَهُ لِمَنْ وَجَدَهُ . وَالْعَصَبُ هُوَ الْبُرْدُ الْيَمَانِيُّ يُسَاوِي ثَوْبٌ مِنْهُ دِينَارَيْنِ وَأَكْثَرَ , وَكَانَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بُرْدٌ يَمَانِيٌّ خَلَعَهُ عَلَى كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ فَبَاعَهُ لِمُعَاوِيَةَ وَتَدَاوَلَتْهُ الْخُلَفَاءُ يَتَوَارَثُونَهُ . وَالْخَزُّ هُوَ الْفَاخِرُ مِنْ الثِّيَابِ فَلَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ لِأَنَّ فِيهِ عِزًّا بَلْ تَكُونُ عِيَارُهُ مَصْبُوغًا بِالشَّبِّ وَالزَّاجِّ , وَالْقَلَنْسُوَةِ ذَكَرَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ وَتَكَلَّمُوا عَلَى لَفْظِهَا بِمَا لَا حَاجَةَ لَنَا إلَيْهِ وَهِيَ تُلْبَسُ عِنْدَ عِظَمِ الْمَنْزِلَةِ بِالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَالْقَضَاءِ مِنْ زِيِّ الْقُضَاةِ وَالْخُطَبَاءِ عَلَى الْمَنَابِرِ وَالْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { فَرْقٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ } وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْأَرْدِيَةِ لِأَنَّهَا لِبَاسُ الْعَرَبِ قَدِيمًا عَلَى مَا حَكَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الطَّيْلَسَانِ . وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى أَنَّ الْأَرْدِيَةَ مُرَبَّعَةٌ وَأَمَّا الطَّيْلَسَانُ قَالَ فَهُوَ الْمُقَرَّرُ الطَّرَفَيْنِ الْمَكْفُوفُ الْجَانِبَيْنِ الْمُلَفَّقُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُ وَهُوَ لِبَاسُ الْيَهُودِ قَدِيمًا وَالْعَجَمِ أَيْضًا وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ تَاجًا وَيُقَالُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ مِنْ الْعَرَبِ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَكَانَ ابْنُ سِرِّيٍّ يَكْرَهُهُ , وَالنِّعَالُ مِنْ زِيِّ الْعَرَبِ يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْهَا وَلَمْ تَكُنْ بِأَرْضِ الْعَجَمِ إنَّمَا كَانَ لَهُمْ الْخِفَافُ وَأَمَّا مَنْعُهُمْ مِنْ اتِّخَاذِ شَيْءٍ مِنْ الرَّقِيقِ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ يُرْجَى إسْلَامُهُ وَإِذَا بِيعَ مِنْهُمْ مَنَعُوهُ وَلِهَذَا مَنَعْنَا الْكَافِرَ مِنْ حَضَانَةِ اللَّقِيطِ وَأَسْقَطَ حَضَانَةَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ إذَا كَانَ كَافِرًا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَعِنْدَنَا لَمْ يَتَّضِحْ لِي هَذَانِ التَّعْلِيلَانِ فَلَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ بِاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ عَلَيْهِ صَارَ لَهُمْ حَقٌّ فِي حَضَانَتِهِ وَوِلَايَتِهِ فَإِذَا اخْتَصَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لَا يُمَكَّنُ كَافِرٌ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَفُوتَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ إلَى كَافِرٍ وَفِي اسْتِيفَاءِ الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ طُولٌ فَلْنَرْجِعْ إلَى الْمَقْصُودِ , وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا خَالَفَ شَيْئًا مِنْ الشُّرُوطِ هَلْ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ وَأَصْحَابُنَا ذَكَرُوا ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ بَيْنَ مَا يُنْقَضُ اتِّفَاقًا وَبَيْنَ مَا فِيهِ خِلَافٌ وَلَيْسَ فِيهَا مَا لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت