فَجِئْتُهُ بِتَمْرٍ وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلاَلٌ، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، انْظُرْ إِنْسَانًا يَأْكُلُ مَعِي.قَالَ: فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي شَرِبْتُ شَرْبَةَ سَوِيقٍ وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَتَسَحَّرَ مَعَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ. [1]
قلت: المقصود أنه - صلى الله عليه وسلم - أكل بعد الأذان الأول، وقبل الأذان الثاني الذي هو أذان الفجر، بدليل حديث أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضي الله عنهم - قَالَ تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ.قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً [2] .
فعلى هذا فالمراد بقوله:"كم كان بين الأذان والسحور"أي أذان ابن أم مكتوم، لأن بلالا كان يؤذن قبل الفجر. والآخر يؤذن إذا طلع.
واستدل ( البخاري) به على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة - وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها - قدر ثلث خمس ساعة، ولعلها مقدار ما يتوضأ. فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر" [3] "
وقد يقول قائل: فما المائدة التي أعدها أنس؟ إنها تمر وماء! أقول: ليست العبرة بكثرة الطعام، وإنما العبرة في المبدأ نفسه؛ أن يقوم الصبي في هذا الوقت من الليل - وقت السحور - الذي ينام فيه الصبيان، بل ينام فيه شداد الرجال، ثم يُعد ما تيسر مما رزق اللَّه سبحانه ليطعم بعد ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - .نعم إنها التربية الحسنة، والرعاية الواعية للأبناء والشباب. [4]
تلك التربية العملية التي تجعل الطفل لا ينسى، ويحدِّث بها في كبره، وتزاد إلى رصيد خبرته، وتتكون شخصيته الاجتماعية بالتفاعل مع الحياة والناس، ولا ينتابه الخجل المقيت،
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (4 / 508) (13033) 13064- صحيح
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (1921)
(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار الفكر - (2 / 54)
(4) - أطفال المسلمين كيف رباهم النبي الأمين صلي الله عليه وسلم - (1 / 3)