فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 964

الأساس الأول: التأديب ضرورة تربوية :

إن التأديب ليس عملًا انتقاميا من الطفل، وإنما هدفه تربوي، ووسيلته تربوية .

وقد قرر ابنُ الجزار القيرواني ضرورة تأديب الطفل في الصغر فقال:"الصغير أسلس قيادة، وأحسن مؤاتاة وقبولًا ؛ فإن قال لنا قائل: قد نجد من الصبيان من يقبل الأدب قبولًا سهلًا، ونجد منهم من لا يقبل ذلك، وكذلك نجد من الصبيان من لا يستحي، ونجد منهم من هو كثير الحياء، ونجد منهم من يعنَى بما يعلَّمه، ويتعلمه بحرصٍ واجتهاد، ونجد منهم من هو يملُّ التعليم ويبغضه، وقد نجد أيضًا في ذوي العناية منهم، وذوي العلم من إذا مدحَ تعلَّم علمًا كثيرًا، ومنهم من يتعلم إذا عاتبته، أو عاتبه المعلم، ووبخه، ومنهم من لا يتعلم إلا للفرق من الضرب، وكذلك نجد اختلافًا كثيرًا، ومطردًا في الذين يملُّون التعلم، ويبغضونه ."

وقد نرى من الصبيان محبًّا للكذب، ونرى منهم محبًّا للصدق، ويُرى منهم اختلاف في الأخلاق، ومضادة كثيرة بالطبع، فما معنى قولك: ويحبَّذ في أن يؤخذ الأطفال بالأدب منذ الصغر، وأنت منهم مثل هذا بالطبع من غير تعليم، ولا تأديب، أفترى الأدب ينقل بالطبع المذموم إلى الطبع المحمود ؟.

فنقول لقائل هذه المقالة: أما ما ذكرت من طبائع الصبيان واختلافهم، وقولك: أفترى الأدب ينقل الطبع المذموم إلى الطبع المحمود؟ فلعمري إنه لكذلك، وإنما أوتي صاحب الطبع المذموم من قبل الإهمال في الصبا، وتركه ما يعتاد مما تميل إليه طبيعته فيما هي مذمومة، أو يعتاد أشياء مذمومة أيضًا، لعلها ليست في غريزته، فإن أُخذ في الأدب بعد غلبة تلك الأشياء عسُرَ انتقاله، ولم يستطيع مفارقة ما اعتاده في الصبا، وقد قال أحد الفلاسفة:"إن أكثر الناس إنما أُتوا في سوء مذاهبهم من عادات الصبا إذا لم يتقدمهم تأديب، وإصلاح أخلاقهم، وحسن سياستهم"

فلذلك أمرنا نحن أن نؤدب الصبيان، وهم صغار ؛ لأنهم ليس لهم عزيمةٌ تصرفهم لما يؤمر به من المذاهب الجميلة، والأفعال الحميدة، والطرائق المثلى، إذ لم تغلب عليهم بعد عادة رديئة تمنعهم من اتباع ما يراد بهم من ذلك، فمن عوَّد ابنه الأدب، والأفعال الحميدة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت