تقدم معنا في الباب السابق الأساليب التربوية النبوية سواء منها الفكرية أو النفسية، فإذا لم تجدِ أية وسيلة مع الطفل، فهذا يعني: أن الطفل بحاجة إلى علاج بالتأديب، لكي يحسَّ بأن الأمر جدٌّ لا هزل فيه، فيذوق ألم التأديب، فيعرف قيمة الحنان والعاطفة التي تدفقت عليه من والديه قبل التأديب، ويشعر بضرورة الانقياد والطاعة، وحسن الخلق والسيرة .
ولكن ما هي أسس التأديب، وكيف سيؤدب الأب ابنه، فيحقق حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ، أَوْ أَحَدُكُمْ وَلَدَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ كُلَّ يَوْمٍ بِنِصْفِ صَاعٍ. [1]
ولابد قبل الشروع في هذا الموضوع أن نعرف المفهوم الفقهي للتأديب، حيث يقول الكاساني في بدائع الصنائع:"َيُعَزَّرُ كُلُّ عَاقِلٍ ارْتَكَبَ جِنَايَةً لَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ، سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، إلَّا الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ تَأْدِيبًا لَا عُقُوبَةً ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْدِيبِ، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: { مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلاَةِ، إِذَا بَلَغُوا سَبْعًا وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } [2] ، وَذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ وَالتَّهْذِيبِ لَا بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي الْجِنَايَةَ، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ جِنَايَةً، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ التَّأْدِيبِ ." [3]
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 33) (20900) 21206- ضعيف
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 634) (6689) صحيح
(3) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (15 / 145)