الإنسان النفسية، وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه وتجعل كل عواطفه، وسلوكه وعاداته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده والشعور بألوهيته وحاكميته ورحمته وعلمه لما في النفوس وقدرته وسائر صفاته .
إن عطف الآباء على الأبناء من أبرز صور الرحمة، وهو يفرض على الأبناء أن يقابلوا رحمة والديهم لهم بأن يرعوهم-كبارًا فيخفضوا لهم جناح الذل من الرحمة، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة بهم.
إن عطف الوالدين على أولادهم عطاء لا يقدر بثمن ولا ينتظر منه العوض، إنه فطرة فطر الله الوالدين عليها، ولذلك كان برهما من أعظم الواجبات وفي مقدمة الصلات الاجتماعية، كما كان عقوقهما من الكبائر المقاربة للشرك بالله، ولهذا ورد الأمر بالإحسان إليهما في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل عقب الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن الإشراك به.
فمن ذلك قوله تعالى: { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} (36) سورة النساء
ففي الآية الكريمة يأمر الله تعالى بعبادته وينهى عن الشرك به ثم يتبعه الأمر بالإحسان للوالدين وبرهما لما لهما من الفضل على الابن منذ أن كان نطفة في رحم أمه حتى صار كبيرًا يعتمد على نفسه.
ويعرض لقمان الحكيم في وصيته لابنه العلاقة بين الوالدين والأولاد في أسلوب رقيق، وفي صورة موحية بالعطف والرقة، ومع هذا فإن رابطة العقيدة مقدمة على تلك العلاقة الوثيقة .
ولهذا كان شكر الوالدين بعد شكر الله عز وجل لأنه المنعم الأول .