فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 964

كان الصحابة والسلف الصالح حريصين كل الحرص على اختيار المدرس الصالح لأطفالهم، وكانوا يعنون به عناية فائقة، ولهم ولع شديد به، لأنه هو المرآة التي يراها الطفل، فتنطبع في نفسه وعقله، وهو مصدر التلقي للطفل .

ومن شدة اهتمامهم به أنهم كانوا ينصحون أبناءهم في أخذ الأدب قبل العلم، وقد تقدم معنا في البناء الخلُقي للطفل في ركن أساس الأدب مع العلماء، وإذا ما تطلب الأمر الرحلة والسفر للوصول إلى المدرس الصالح، فهذا حبيب إلى قلوبهم، سهل على نفوسهم، يتلقونه بصدر رحب بلا مشقة، أو أي صعوبة، ومعلوم أن الرحلة والسفر لها أعباؤها المالية على الأبوين، ولكن في سبيل بناء الطفل العلمي بشكل سليم، يهون عليهم كل مال، وكل غال ونفيس، ولهذا قال ابن سينا في كتاب السياسة باب سياسة الرجل ولده:"ينبغي أن يكون للصبي مؤدب عاقل، ذو دين، بصير برياضة الأخلاق، حاذق بتخريج الصبيان، وقور، رزين بعيد عن الخفة والسخط، قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي، غير كزٍّ ( منقبضٍ) ولا جامد، وأن يكون حلوًا لبيبًا، ذا مروءة ونظافة ونزاهة".

وإلى هذا ذهب أمراء المسلمين أيضًا في الحصول على المدرس الصالح لتعليم أولادهم .

قال أبو بكر بن جابر خادم أبي داود: كنت معه ببغداد فصلينا المغرب إذ قرع الباب ففتحته فإذا خادم يقول:هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فأذن له فدخل وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ فقال: خلال ثلاث فقال وما هي ؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنًا ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج، فقال:هذه واحدة هات الثانية، قال: وتروي لأولادي كتاب السنن، فقال: نعم هات الثالثة، قال: وتفرد لهم مجلسًا للرواية، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة، فقال: أما هذه فلا سبيل إليها ؛لأن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت