قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون في كم حيري ويضرب بينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة" [1] ."
وقال عُتبة بن أبي سفيان لعبد الصَّمد مؤدِّب ولدِه: ليكن أوَّلَ ما تبدأُ به من إصلاحك بَنِّي إصْلاحُك نَفسَك؛ فإنَّ أَعينهم معقودة بعينك، فالحسَنُ عِندهم ما استحسنت، والقبيحُ عندهم ما استقبحت، علِّمْهم كتابَ اللَّه، ولا تُكرِهْهم عليه فيَملُّوه، ولا تتركْهم منه فيهجُروه، ثم روِّهم من الشِّعر أَعَفَّه، ومن الحديث أَشْرَفه، ولا تُخْرِجْهم من عِلْمٍ إلى غيره حتّى يحْكموه، فإنَّ ازدحامَ الكلام في السَّمع مَضَلَّةٌ للفهم، وعلِّمْهم سِيَرَ الحكماء وأخلاقَ الأدباء، وجنِّبْهُم محادَثة النساء، وتهدَّدْهم بي وأدِّبْهم دُوني، وكنْ لهم كالطَّبيب الذي لا يَعجَل بالدَّواء حتى يعرف الداء، ولا تَتّكل على عُذري، فإني قد اتَّكلتُ على كفايتِك، وزد في تأديبهم أزدك في برّي إن شاء اللَّه" [2] ."
وأُدْخِلَ الشَّافِعِيُّ يَوْمًا إِلَى بَعْضِ حُجَرِ هَارُونَ الرَّشِيدِ لِيَسْتَأْذِنَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَعَهُ سِرَاجٌ الْخَادِمُ فَأَقْعَدَهُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ مُؤَدِّبِ أَوْلَادِ الرَّشِيدِ.فَقَالَ سِرَاجٌ لِلشَّافِعِيِّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَؤُلَاءِ أَوْلَادُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مُؤَدِّبُهُمْ، فَلَوْ أَوْصَيْتَهُ بِهِمْ.فَأَقْبَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ فَقَالَ لَهُ:"لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَبْدَأُ بِهِ مِنْ إِصْلَاحِ أَوْلَادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِصْلَاحُ نَفْسِكَ ؛ فَإِنَّ أَعْينَهُمْ مَعْقُودَةٌ بِعَيْنِكَ، فَالْحَسَنُ عِنْدَهُمْ مَا تَسْتَحْسِنُهُ وَالْقَبِيحُ عِنْدَهُمْ مَا تَرَكْتَهُ.عَلِّمْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَلَا تُكْرِهْهُمْ عَلَيْهِ فَيَمَلُّوهُ، وَلَا تَتْرُكَهُمْ مِنْهُ فَيَهْجُرُوهُ، ثُمَّ رَوِّهِمْ مِنَ الشَّعْرِ أَعَفَّهُ، وَمَنَ الْحَدِيثِ أَشْرَفَهُ، وَلَا تُخْرِجَنَّهُمْ مِنْ عِلْمٍ إِلَى غَيْرِهِ حَتَّى يُحْكِمُوهُ، فَإِنَّ ازْدِحَامَ الْكَلَامِ فِي السَّمْعِ مَضِلَّةٌ لِلْفَهْمِ" [3] .
وقال الماوردي:"يجب أن يُجتهَد في اختيار المعلم والمؤدب؛ الاجتهاد في اختيار الوالدة والظئر - المرضعة - بل أشد منه؛ فإن الولد يأخذ من مؤدبه من الأخلاق والشمائل والآداب والعادات، أكثر مما يأخذ من والده، لأن مجالسته له أكثر، ومدارسته معه أطول،"
(1) - معالم السنن للخطابي 288 - (1 / 7)
(2) - البيان والتبيين - (1 / 142)
(3) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (13841 )