لا بد من توجيه الطفل حسب ميوله العلمية، ورغباته النفسية، لأنه أدعى لتمكن العلم من نفسه، وبراعته به، وتفوقه على أقرانه، وقد قرر هذا أيضًا علماء السلف الصالح رضوان الله عليهم، فهذا ابن سينا يرى أنه: ليست كل صناعة- مهنة- يرومها الصبي ممكنة له، مواتية، ولكن ينبغي له أن يزاول ما شاكل طبعه وناسبه .
كَانَ الْخَلِيلُ ( الفراهيديُّ) رَجُلًا صَالِحًا عَاقِلًا كَامِلًا حَلِيمًا وَقُورًا، وَكَانَ مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا، صَبُورًا عَلَى الْعَيْشِ الْخَشِنِ الضَّيِّقِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يُجَاوِزُ هَمِّي مَا وَرَاءَ بَابِي. وَكَانَ ظَرِيفًا حَسَنَ الْخُلُقِ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي الْعُرُوضِ، قَالَ: وَكَانَ بَعِيدَ الْفَهْمِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: كَيْفَ تُقَطِّعُ هَذَا الْبَيْتَ؟
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
فَشَرَعَ مَعِي فِي تَقْطِيعِهِ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَضَ مِنْ عِنْدِي فَلَمْ يَعُدْ إِلَيَّ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ [1] .
وكان الإمام البخاري في أول أمره يحاول تعلم الفقه، والتبحر فيه، فقال له محمد بن الحسن: اذهب واشتغل بعلم الحديث، عندما رآه مناسبًا لقدراته وأليق به، وأقرب إليه، وقد أطاع البخاري، ومن صار على رأس أهل الحديث، بل وإمامهم [2] .
(1) - البداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع - (10 / 172)
(2) - مجلة الوعي العربي سنة أولى عدد (1) عام 1977 م ص (33) .