فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 964

الأساس الثامن - التوازن في حب الطفل بلا إفراط ولا تفريط :

أفاض الشيخ الجليل محمد خضر الحسين رحمه الله، وهو ينبه إلى ضرورة التوازن في حب الطفل فقال:"من الناس من يدرك أن التقام الأطفال لثدي التربية مما يؤثر في نفوسهم إصلاحًا عظيمًا، ولكن فرط الرأفة الذي ينشأ عن التغالي في حبهم يكسر من صلابة الآباء شيئًا كثيرًا، فيدفعهم عن مكافحة طباع أبنائهم الرديئة، ومقاومتها بالتأديب، وينفض بهم ذلك الإهمال إلى التنقل في مراتع الشهوات تتولد عنه نتائج وخيمة، تثير من الآباء والأبناء الفرقة والتباعد بمقدار ما كان بينهم من الحنان والمقاربة، وتصير بهم إلى أن تضرسهم أنياب الاضطهاد، وتدوسهم أقدام الامتهان."

لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يفتك الصبيُّ من إقدام سائر إرادته، ويُسلَب منه جميع عزائمه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب، إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام، فيكون ألعوبة بين معاشريه كالكرة المطروحة بينهم يتلقفونه رِجلًا رِجلًا، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون، فالتربية النافعة ما كانت أثرًا لمحبة يطفئ البأس شيئا من حرارتها، وصرامة تلطِف الشفقة من شدتها، وهي التي يستوجب الوالدان دعاء الولد بقوله: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (24) سورة الإسراء

ويتابع قوله: ولم يفقه بعض أرباب البيوت، ومن يحاول اللحاق بهم أهمية التربية حتى الآن، فيفرطون في مجاراة الولد على جميع أهوائه، ويفوضون له أن يقضيَ ما هو قاضٍ، وربما تغنوا بمديحه في المجامع الحاشدة، وأطروه بما لا تنطبق شهادة ثماره عليه، ولبئس ما كادوه به لو كانوا يعلمون، إنما نصبوا لهذا المسكين مكيدة تسدُّ في وجهه أبواب الآداب الجميلة، وتجعل بينه وبين السعادة حجابًا مستورًا [1] .

وهكذا نجد أن الرأفة والحنان والبناء العاطفيَّ كلما كان متوازنًا اقترب نحو البناء الذي يؤتي أكله كل حين بإذن ربه، وبإمكاننا تشبيه الرأفة والحنان والعطف مثل وجبة الطعام،

(1) - السعادة العظمى ص (10)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت