فالكلام أكبر عمل سيئ، إذ ليس المؤمن بالطَعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحشِ، ولا البذيء.والمؤمن لا يكون بذيئًا، بصراحة هل في مزحه يوجد جنس أو غمز ولمز وكلام مغشوش؟ هذا والله بعيد عن الإيمان، فكلام المؤمن أطهرُ من ماء السماء، وأنقى من الثلج، ولا يلفظ كلمة مغشوشة أو معيبة إطلاقًا، وهناك كلام يغشه الناس، كيفما تكلَّمَ يغشَّه ويحوِّره ويقول: هكذا تقصد ؟ فتجيبه: والله لم أقصد هذا الكلام.وهؤلاء هم أهل الدنيا بسبب بعدهم عن الله عزَّ وجلَّ، يضحكون لهذا المُزاح الرخيص، الَّذي يحوِّل الكلام إلى معانٍ كلُّها مما يكون بين المرءِ وزوجه ..
وقال أسامة بن منقذ:"قحطت البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت العرب من أحياء القبائل، فجلس هشام لرؤسائهم، فدخلوا عليه، وفيهم درواس بن حبيب، وله أربع عشرة سنة، عليه شملتان وله ذؤابة. فأحجم القوم وهابوا هشامًا، ووقعت عين هشام على درواس فاستصغره، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إلي إلا وصل ! حتى الصبيان ؟! فعلم درواس أنه يريده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن دخولي لم يخلِّ بك شيئًا، ولقد شرَّفني، وإن هؤلاء القوم قدموا لأمرٍ أحجموا دونه، وإن الكلام نشرٌ، والسكوت طيٌ، ولا يعرف الكلام إلا بنشره. فقال له هشام: فانشر لا أبالك !! وأعجبه كلامه. فقال: أصابتنا سنون ثلاثة: فسنةٌ أذابت الشحم، وسنةٌ أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموالٍ: إن كانت لله ففرقوها على عباده المستحقين لها، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم ؟، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين، واعلم، يا أمير المؤمنين، أن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة للجسد إلا به. فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرًا. وأمر أن يقسم في باديته مائة ألف درهم، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم. فقال: يا أمير المؤمنين، ارددها إلى جائزة العرب، فإني أكره أن يعجز ما أمر لهم به أمير المؤمنين عن كفايتهم. قال: فمالك من حاجةٍ تذكرها لنفسك ؟ قال: مالي من حاجةٍ دون عامة المسلمين !! [1] ."
(1) - لباب الآداب لأسامة بن منقذ - (1 / 100)