وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ امْرَأَةٌ، قَالَ أَبُو يَعْلَى: تَصُبُّ عَلَى صَبِيٍّ يَقْطُرُ مَنْخِرَاهُ دَمًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا الصَّبِيِّ ؟ فَقَالُوا: بِهِ الْعُذْرَةُ فَقَالَ: وَيْحَكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، لا تَقْتُلْنَ أَوْلادَكُنَّ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ كَانَ بِصَبِيِّهَا عُذْرَةٌ أَوْ وَجَعٌ بِرَأْسِهِ، فَلْتَأْخُذْ قُسْطًا هِنْدِيًّا فَلْتَحُكَّهُ، ثُمَّ لَتُسْعِطْ، ثُمَّ أَمَرَ عَائِشَةَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ بِالصَّبِيِّ فَبَرَأَ [1] .
وقال فيه ابن القيم:"القُسْط: نوعان. أحدهما: الأبيضُ الذى يُقَال له: البحرىُّ. والآخر: الهندىُّ، وهو أشدُّهما حرًا، والأبيضُ ألينهُما، ومنافعُهما كثيرة جدًا."
وهما حاران يابسان في الثالثة، يُنشِّفان البلغم، قاطعانِ للزُّكام، وإذا شُرِبَا، نفعا من ضعف الكَبِدِ والمَعِدَة ومن بردهما، ومِن حُمَّى الدَّوْرِ والرِّبع، وقطعا وجعَ الجنب، ونفعا مِن السُّمُوم، وإذا طُلِىَ به الوجهُ معجونًا بالماء والعسل، قَلَعَ الكَلَف.وقال"جالينوسُ": ينفع من الكُزَاز، ووجع الجَنْبين، ويقتل حَبَّ القَرَع.
وقد خفىَ على جُهَّال الأطباء نفعُه من وجِعَ ذاتِ الجَنْب، فأنكروه، ولو ظَفِر هذا الجاهلُ بهذا النقل عن"جالينوس"لنزَّله منزلةَ النص، كيف وقد نصَّ كثيرٌ من الأطباء المتقدمين على أنَّ القُسْطَ يصلحُ للنوع البلغمىِّ من ذات الجنب، ذكره الخطَّابىُّ عن محمد بن الجَهْم.
وقد تقدَّم أنَّ طِبُّ الأطباء بالنسبة إلى طِبِّ الأنبياء أقلُّ من نسبةِ طِب الطُّرقيَّة والعجائز إلى طِبِّ الأطباء، وأنَّ بيْن ما يُلقَّى بالوحى، وبيْن ما يُلَقَّى بالتجربة، والقياسِ من الفرْق أعظمَ مما بَيْن القَدَم والفرق.
ولو أنَّ هؤلاء الجُهَّال وجدوا دواءً منصوصًا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء، لتلقَّوْه بالقبول والتسليم، ولم يتوقَّفُوا على تجربته.
نعم.. نحن لا ننكِرُ أنَّ للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدواء وعدمه، فمَن اعتاد دواءً وغذاءً، كان أنفعَ له، وأوفقَ ممن لم يَعتدْه، بل ربما لم ينتفع به مَن لم يعتده.
وكلامُ فضلاء الأطباء وإن كان مطلَقًا فهو بحسب الأمزجة والأزمنة، والأماكن والعوائد، وإذا كان التقييدُ بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصادق
(1) - مسند أبي يعلى الموصلي (2009) صحيح