قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الرُّقْيَةُ الْعَوْذَةُ الَّتِي يُرْقَى بِهَا صَاحِبُ الآْفَةِ كَالْحُمَّى وَالصَّرْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْفَاتِ لأَِنَّهُ يُعَاذُ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} (27) سورة القيامة، أَيْ مَنْ يَرْقِيهِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لاَ رَاقِيَ يَرْقِيهِ فَيَحْمِيهِ، وَرَقَيْتُهُ رُقْيَةً أَيْ عَوَّذْتُهُ بِاَللَّهِ، وَالاِسْمُ الرُّقْيَا، وَالْمَرَّةُ رُقْيَةٌ، وَالْجَمْعُ: رُقًى .
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ لِلرُّقْيَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ .
وَالرُّقْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِكِتَابَةِ شَيْءٍ وَتَعْلِيقِهِ، وَقَدْ تَكُونُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُعَوِّذَاتِ وَالأَْدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ .
وقد اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرُّقَى:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ الرَّقْيِ مِنْ كُل دَاءٍ يُصِيبُ الإِْنْسَانَ بِشُرُوطٍ ثَلاَثَةٍ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ بِكَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ .
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ .
ثَالِثُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ لاَ تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا بَل بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، وَلاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا" [1] ."
وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الرُّقَى، فَأَتَاهُ خَالِي، وَكَانَ يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، قَالَ: فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ" [2] ."
وَقَال الرَّبِيعُ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنِ الرُّقَى فَقَال: لاَ بَأْسَ إِنْ رُقِيَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ .
وَسُئِل مَالِكٌ عَنِ الرُّقَى بِالأَْسْمَاءِ الْعَجَمِيَّةِ فَقَال: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا كُفْرٌ ؟ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَا جُهِل مَعْنَاهُ لاَ يَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كُفْرٌ أَوْ سِحْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ .
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (5862) وصحيح ابن حبان - (13 / 461) (6094)
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (5 / 67) (14382) 14435- وصحيح مسلم- المكنز - (5861 )