فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 964

وحديث أبي هريرة الآنف الذكر، ولحديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ. [1]

فَفِيمَا ذُكِرَ - وَغَيْرُهُ كَثِيرٌ - مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْزِلَةِ الأَْبَوَيْنِ، وَتَقْدِيمِ الأُْمِّ فِي الْبِرِّ عَلَى الأَْبِ فِي ذَلِكَ ؛ لِصُعُوبَةِ الْحَمْل، ثُمَّ الْوَضْعِ وَآلاَمِهِ، ثُمَّ الرَّضَاعِ وَمَتَاعِبِهِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ تَنْفَرِدُ بِهَا الأُْمُّ وَتَشْقَى بِهَا، ثُمَّ تُشَارِكُ الأَْبَ فِي التَّرْبِيَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنَّ الأُْمَّ أَحْوَجُ إِلَى الرِّعَايَةِ مِنَ الأَْبِ، وَلاَ سِيَّمَا حَال الْكِبَرِ . [2]

وَفِي تَقْدِيمِ هَذَا الْحَقِّ أَيْضًا: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَلَدِ لأَِبَوَيْهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا، فَتُقَدَّمُ الأُْمُّ عَلَى الأَْبِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، [3] وَذَلِكَ لِمَا لَهَا مِنْ مَشَقَّةِ الْحَمْل وَالرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ وَزِيَادَةِ الشَّفَقَةِ، وَأَنَّهَا أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ . هَذَا مَا لَمْ يَتَعَارَضَا فِي بِرِّهِمَا .

فَإِنْ تَعَارَضَا فِيهِ، بِأَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ أَحَدِهِمَا مَعْصِيَةُ الآْخَرِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ: إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَأْمُرُ بِطَاعَةٍ وَالآْخَرُ يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ الآْمِرَ بِالطَّاعَةِ مِنْهُمَا دُونَ الآْمِرِ بِالْمَعْصِيَةِ، فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ .

وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَاحِبَهُ بِالْمَعْرُوفِ لِلأَْمْرِ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } (سورة لقمان / 15) وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ .

أَمَّا إِنْ تَعَارَضَ بِرُّهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ إِيصَال الْبِرِّ إِلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَقَدْ قَال الْجُمْهُورُ: طَاعَةُ الأُْمِّ مُقَدَّمَةٌ ؛ لأَِنَّهَا تَفْضُل الأَْبَ فِي الْبِرِّ . [4]

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (5 / 854) (17187) 17319- صحيح

(2) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10 / 401 - 402 ، وشرح إحياء علوم الدين للغزالي 6 / 315 ، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي 2 / 71 ط دائرة المعارف ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 14 / 63ـ 65 .

(3) - رد المحتار على الدر المختار 2 / 673 ، والفواكه الدواني 2 / 384 ، وروضة الطالبين 9 / 95 ، والمكتب الإسلامي والمغني لابن قدامة 7 / 594 ط الرياض الحديثة .

(4) - الفواكه الدواني 2 / 384 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت