بِإِضْعَافِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ سَارِقِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ يُضَعِّفُ عَلَيْهِ الْغُرْمَ، وَكَذَلِكَ قَاتِلُ الذِّمِّيِّ عَمْدًا أَضْعَفَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ دِيَتَهُ، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: { لَا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ } .
قِيلَ: نَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ الْحَدَّ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ أَعَمُّ مِنْهُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ ؛ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْحُدُودِ عُقُوبَاتِ الْجِنَايَاتِ الْمُقَدَّرَةِ بِالشَّرْعِ خَاصَّةً، وَالْحَدُّ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ تَارَةً وَيُرَادُ بِهِ نَفْسَ الْجِنَايَةِ تَارَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا } وَقَوْلُهُ: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا } فَالْأَوَّلُ حُدُودُ الْحَرَامِ، وَالثَّانِي حُدُودُ الْحَلَالِ .
وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: { إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا } وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَالسُّورَانُ حُدُودُ اللَّهِ، وَيُرَادُ بِهِ تَارَةً جِنْسُ الْعُقُوبَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَدَّرَةً، فَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: { لَا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ } يُرِيدُ بِهِ الْجِنَايَةَ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ .فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ تَكُونُ الْعَشَرَةُ فَمَا دُونَهَا إذْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ الْجِنَايَةُ ؟ .قِيلَ: فِي ضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَعَبْدَهُ وَوَلَدَهُ وَأَجِيرَهُ، لِلتَّأْدِيبِ وَنَحْوَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ؛ فَهَذَا أَحْسَنُ مَا خُرِّجَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ" [1] "
وعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَكْتُبُ إِلَى الْأَمْصَارِ: لَا يَقْرِنُ الْمُعَلِّمُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَإِنَّهَا مَخَافَةٌ لِلْغُلَامِ" [2] "
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ"كَانَ يَضْرِبُ بَنِيهِ عَلَى اللَّحْنِ" [3]
فإذا حدد الحديث عدم جواز زيادة الضرب علي عشر إلا في ثبوت حدٍّ من حدود الله تعالى، ولما كان الطفل لم يدخل سن الاحتلام والتكليف، فإن معاصيه يعزَّر فيها ويؤدب .
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (2 / 87)
(2) - النَّفَقَةُ عَلَى الْعِيَالِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (348 ) حسن -المصر: البلد أو القرية - قرن: جَمَعَ أو وَصَلَ
(3) - النَّفَقَةُ عَلَى الْعِيَالِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (331 ) صحيح