فهرس الكتاب

الصفحة 900 من 964

وغض الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيئ الأدب أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه، يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق .

والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبحه في صورة منفرة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله: {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} .

فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية، مع النفور والبشاعة ولا يكاد ذو حس يتصور هذا المشهد المضحك من وراء التعبير المبدع، ثم يحاول شيئًا من صوت هذا الحمير .

يقول القرطبي: في هذه الآية دليل على تعريف قبح ردع الصوت في المخاطبة، والملاحاة بقبح أصوات الحمير لأنها عالية، وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ أَصْوَاتَ الدِّيَكَةِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، فَاسْأَلُوا اللَّهَ، وَارْغَبُوا إِلَيْهِ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نُهَاقَ الْحَمِيرِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا، فَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَتْ. [1] ...

وقد روي: إنه ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانًا.

وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير.

وقال عطاء: نهيق الحمير دعاء على الظلمة. [2] .

وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونًا بهم أو بترك الصياح جملة.

وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتًا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل حتى قال شاعرهم:

جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النعم

ويعدو على الأين عدوى الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (7096 ) وصحيح ابن حبان - (3 / 285) (1005)

(2) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (14 / 71)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت