واسمح لي - أخي الفاضل - بأن أنبّه إلى بعض الأمور المتعلقة بقوله تعالى (( الحمد لله ) )..
فأقول: إنّ هذه الجملة (الحمدُ لله) قد جاءت خمس مرات في أوائل خمس سور قرآنية، هي:
قوله تعالى: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: 2] .
وقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) [الأنعام: 1] .
وقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) [الكهف: 1] .
وقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [سبأ: 1] .
وقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فاطر: 1] .
ومن عجيب أمر القرآن العظيم أنّها جاءت أيضًا لتختم خمس سور قرآنية أخرى، هي:
قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111] .
وقوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [النمل: 93] .
وقوله تعالى: (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 181 - 182] .
وقوله تعالى: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الزمر: 75] .
وقوله علت كلمته: (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الجاثية: 36 - 37] .
وإذا تأمّلنا هذه الآيات ومواقعها في السور الكريمات، يلفت انتبهانا أمران اثنان:
الأول: أن الحمدلة الأولى جاءت ضمن السور التي افتتحت بها في الآية بعد الآولى (أي في الآية الثانية من سورة الفاتحة) .
والثاني: أنّ الحمدلة الأخيرة جاءت ضمن السور التي اختتمت بها في الآية قبل الأخيرة من سورة الجاثية.
وقد يكون في هذا النسق العجيب دليل لمن ذهب إلى القول بأنّ البسملة في فاتحة الكتاب هي آية من آياتها - والله أعلم. وذاك أنّ الحمدلة الأولى جاءت في الفاتحة بعد الآية الأولى، كما أنّ الحمدلة الأخيرة جاءت في الآية قبل الأخيرة في سورة الجاثية:
الفاتحة: الآية بعد الأولى
الأنعام: الآية الأولى الإسراء: الآية الأخيرة
الكهف: الآية الأولى النمل: الآية الأخيرة
سبأ: الآية الأولى الصافات: الآية الأخيرة
فاطر: الآية الأولى الزمر: الآية الأخيرة
الجاثية: الآية قبل الأخيرة
وثمّة أمرًا آخر، وهو أنّ الحمدلة في سورة الجاثية فيها من الإشارات اللطيفة على إحاطته تعالى المطلقة بكلّ شيء علمًا، وعلمه سبحانه بدقائق الأمور.
فـ (( الحمد لله ) )مبتدأ وخبر، وكذلك قوله تعالى في الجاثية: (( فلله الحمد ) )، وتأخّر في هذه الثانية المبتدأ، والحاصل في الموضعين معنًى واحد، وهو حمده تعالى بما هو أهله. ولكن ما الموجب لتقديم الخبر على المبتدأ في سورة الجاثية؟
جاء في (مِلاك التأويل) :"إنّ قوله تعالى: (( فلله الحمد ) )ورد على تقدير الجواب، بعد إرغام المكذّب وقهره ووقوع الأمر مطابقًا لأخبار الرسل عليهم السلام، وظهور ما كذب الجاحد به، فعند وضوح الأمر كأنْ قد قيل: لمن الحمد ومن أهله؟ فجاء الجواب على ذلك، فقيل: فلله الحمد. نظير هذا قوله سبحانه وتعالى: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: 16] ، ثمّ قال: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ."
(يُتْبَعُ)