أقول: «ومن هذه النقول يستفاد أن التجزئة إنما حصلت على أثر الحاجة في التعلم أو
الحفظ أو الحصة اليومية من القراءة وهذا عمل لا بأس به ولو حصل بالتجزئة بأية صورة كانت لأنها من الأغراض المشروعة. وحدّثني المقرئ الشيخ محمود الحصري أن القدماء اعتادوا على وضع ثلاث نقط عند آخر كل آية ايذانا بانتهائها، وكانوا يضعون لفظ خمس عند انقضاء خمس آيات ونقط عشر عند انتهاء عشر آيات، ومع تكرار العدد يعيدون نقط خمس وعشر حتى انتهاء السورة وأن هذا معنى قول قتادة: «بدءوا فنقّطوا ثم خمّسوا ثم عشّروا» ولم يبق اليوم من هذه التجزئة سوى الأجزاء الثلاثين وكل جزء حزبان وكل حزب أربعة أرباع فالمجموع ثلاثون جزء.
كما يظهر أن تجزئة القرآن كانت اختيارية حسب رغبات المسلمين والظروف التي يتمكنون فيها من قراءة القرآن من أوله إلى آخره، وفي عصر الإمام الصادق عليه السّلام كانت التجزئة في خمسة أجزاء وسبعة أجزاء و 14جزء.
فعن حسين بن خالد، عن أبي عبد الله قال: قلت له: في كم أقرأ القرآن فقال: اقرأه أخماسا، اقرأه أسباعا، أما إن عندي مصحفا مجزأ أربعة عشر جزءا. [الوسائل 4/ 862] .
فيظهر أن التجزئة (14) مبنية على تصنيف القرآن كل حزبين في جزء تقريبا والتسبيع على قراءة أربعة أجزاء والتخميس على قراءة ستة أجزاء وذلك بتقسيم 30على 14لقراءة القرآن في خمسة أيام أو أسبوع أو أسبوعين.
قال الأرجاني: «قال يحيى بن كثير: ما كانوا يعرفون شيئا مما أحدث في المصاحف إلا النقط الثلاث على رءوس الآيات. أخرجه ابن أبي داود وروى عن ابن سيرين أنه كره النقط يعني على رءوس الآيات والفواتح والخواتم. وعن ابن مسعود ومجاهد أنهما كرها التعشير. وأخرج ابن أبي داود عن النخعي أنه كان يكره العواشر والفواتح وتصغير المصحف وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا. [كنز المرجان 1/ 14] .
ويظهر من رواية الزركشي (ت 797هـ) أن الحجاج كان له عناية خاصة بتجزئة القرآن بالتسبيع، فقد جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال: أخبروني عن القرآن كله كم من حرف هو؟ قال: فحسبناه فاجمعوا على أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألف وسبعمائة وأربعون حرفا.
قال: فأخبروني عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف «وليتلطف» . وثلثه الأول عند رأس مائة من براءة والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء. والثالث إلى آخره.
وسبعه الأول إلى الدال، في قوله: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء: 55] والسبع الثاني إلى التاء من قوله في الأعراف: {حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ} [الأعراف: 147] والثالث
إلى الألف الثانية من قوله في الرعد: {أُكُلُهََا} [الرعد: 35] والرابع إلى الألف في الحج من قوله: {جَعَلْنََا مَنْسَكًا} [الحج: 34] والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب: {وَمََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَلََا مُؤْمِنَةٍ} [الأحزاب: 36] والسادس إلى الواو من قوله في الفتح {الظََّانِّينَ بِاللََّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح: 6] والسابع إلى آخر القرآن. [البرهان 250] .