وقال السخاوي: «ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذا أسندت من طريق الآحاد، كما لو قلت: أخبرني فلان عن فلان أنه رأى مدينة سمرقند، وقد علم وجودها بطريق التواتر، لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها. فقراءة السبع كلها متواترة، وقد اتفق على أن المكتوب في المصاحف متواتر الكلمات والحروف، فإن نازع في تواتر السبع أحد قلنا له: ما تقول في قراءة ابن كثير، مثلا في سورة التوبة: «تجري من تحتها الأنهار» بزيادة
(من) ، وقراءة غيره بإسقاطها؟ فإن قال: متواترة، فهو الغرض، وإن منع تواتر ذلك فقد خرق الإجماع المنعقد على ثبوتهما، أو باهت فيما هو معلوم منهما. وإن قال بتواتر بعض دون بعض تحكم فيما ليس له، لأن ثبوتهما في الرتبة سواء، فلزم التواتر في قراءة السبعة».
انتهى. [لطائف الإشارات 1/ 78] .
ان ما ذكره القسطلاني (ت 923هـ) من أنه لا يمنع عن صحة القراءات عن غيرهم والسخاوي أنه لم يقدح في تواتر القراءات الإسناد من طريق الآحاد مكابرة واضحة للواقع الذي استند إليه القراء السبعة أنفسهم فلم يدع أحد منهم تواتر قراءاتهم فهم إما أسندوها إلى اختيار أنفسهم أو ذكروا رواية آخرين عن طريق الآحاد وانفرد نافع فيما بينهم باختيار ما توافق عليه اثنان من الرواة وأن نقل الاثنين ليس من التواتر؟
وصدق العاملي (ت 1226هـ) بقوله: «إن أحدهم كان إذا برع وتمهر شرع للناس طريقا في القراءة لا يعرف إلا من قبله ولم يرد على طريقة مسلوكة ومذهب واضح متواتر محدود وإلا لم يختص به ووجب على مقتضى الغالب في العادة أن يعلم به الآخر المعاصر له الاتحاد الفن وعدم البعد عن المأخذ وكيف نطلع نحن على تواتر قراءات هؤلاء ولا يطلع بعضهم على ما تواتر إلى الآخر؟ إن ذلك لمستبعد جدا إلا أن يقال أن كل واحد من السبعة ألف طريقته من متواترات كان يعلمها الآخر لكنه اختار هذه دون غيرها من المتواترات لمرجح ظهر له كالسلامة من الإمالة والروم ونحو ذلك فطريقته متواترة وإن لم تكن الهيئة التركيبية متواترة حصل الاختصار والامتياز وإن صح ما نقله الرازي من منع بعضهم الناس عن قراءة غيره اشتد الخطب وامتنع الجواب. [مفتاح الكرامة 3932] .
وانصف الزركشي (ت 797هـ) حيث ذهب إلى عدم التواتر بالقراءات وأن التحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة خاصة قال: «أما تواترها عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ففيه نظر فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة. وهذا شيء موجود في كتبهم، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه «المرشد الوجيز» إلى شيء من ذلك». [البرهان 1/ 319] .
ونقل صاحب الحدائق (ت 1186هـ) أن ليس المراد بتواتر السبع والعشر أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار التواتر الآن في ما نقل من هذه القراءات.
[الحدائق 9/ 95] .
والحق ما ذكره صاحب الجواهر (ت 1266هـ) من أن من أنكر التواتر منا ومن القوم خلق كثير، بل ربما نسب إلى أكثر قدمائهم تجويز العمل بها وبغيرها، لعدم تواترها، يؤيده أن من لاحظ ما في كتب القراءة المشتملة على ذكر القراء السبعة ومن تلمذ عليهم ومن تلمذوا عليه يعلم أنه من التواتر بمعزل، إذ أقصى ما يذكر لكل واحد منهما واحد أو اثنان، على أن تواتر الجميع يمنع من استقلال كل من هؤلاء بقراءة بحيث يمنع الناس عن القراءة بغيرها. [الجواهر 9/ 395] .