قال ابن الجوزي (ت 597هـ) : «وأما عدد آي القرآن فمختلف فيها أيضا على حسب اختلاف العادّين، والعدّ منسوب إلى ستة بلدان: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام وحمص، فالعدد المكّي منسوب لمجاهد بن خير، وعبد الله بن كثير، والمدني على ضربين مدني أول، ومدني آخر، فالمدني الأول منسوب إلى نقل أهل الكوفة إياه عن أهل المدينة مرسلا لم يسمّوا فيه أحدا، والمدني الآخر منسوب إلى أبي جعفر يزيد بن القعقاع وصهره شيبة بن نضاح، وبينهما خلاف في ست مسائل وهن له «مما تحبون» ، «وإن كانوا
ليقولون»، «وقد جاءنا نذير، إلى طعامه» ، و «فأين تذهبون» ، ترك هذه الخمس آيات أبو جعفر وعدّهن شيبة، وعدّ أبو جعفر: «مقام إبراهيم» ، وتركها شيبة. قال ابن المنادي: المدني الأول فلا يدرى على الحقيقة في أي زمن هو وكأنه عدد صحابي وافق عليه فلكثرة أهله لم يعز إلى أحد مسمّى، فإن كان قبل كتّاب صحف فهو مأخوذ من أفواه الرجال، وإن كان عن مصحف فهو مأخوذ قبل استنساخه كتبا. فلمّا نشأ أبو جعفر وشيبة اختارا من عدّ الماضين كما اختارا من الحروف، وأما الكوفي فمنسوب إلى أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب عليه السّلام وقد نسبه قوم إلى ابن مسعود، والأول أصح، وأما البصري فمنسوب إلى عاصم بن ميمون الجحدري، وهو أحد التابعين الحفاظ الذين ندبهم الحجاج إلى عدد حروف القرآن مع الحسن البصري ومالك بن دينار وأبي العالية الرياحي وأبي محمد بن راشد الحماني ونصر بن عاصم الليثي، فعدوه بالشعير وحسبوه، وقد نسبه بعضهم إلى أيوب بن المتوكل، والأول أظهر، وأما الشامي فمنسوب إلى عبد الله بن عاصم اليحصبي. وروى قوم أن أيوب بن تميم زعم أنه عدد عثمان بن عفان رضي الله عنه، والأول أصح، وقد روي عن أهل حمص خلاف لما روي عن أهل الشام مطلقا.
وقد وقع اجماع العادين على أن القرآن ستة آلاف ومائتا آية، ثم اختلفوا في الكسر الزائد على ذلك فروى المنهال بن عمرو عن ابن مسعود أنه قال: القرآن ستة آلاف ومائتا آية وسبع عشرة آية، وهذا مبلغه في المدني الأول، وبه قال نافع وأما في المدني الأخير فأربع عشرة آية عن شيبة، وعشر آيات عن أبي جعفر، وفي المكي عشرون آية، وفي الكوفي ست وثلاثون آية، وهو مروي عن حمزة الزياد وفي البصري خمس آيات وهو مروي عن عاصم الجحدري، وفي رواية عنه وأربع آيات، وبهذه الرواية قال أيوب بن المتوكل البصري، وفي رواية عن البصريين أنهم قالوا وتسع عشرة آية، وهو مروي عن يحيى بن الحارث الذماري، وقد روى أبو عبد الرحمن عن علي عليه السّلام أنه قال وتسع وعشرون آية، وروى زيد بن وهب عن ابن مسعود، أنه قال وخمس عشرة آية، وروى عن عطاء الخراساني أنه قال وست عشرة آية، وروى عن عطاء بن يسار أنه قال: وست آيات، ونقل عن أهل حمص أنهم قالوا واثنتان وثلاثون آية [فنون الأفنان 39، 40] .
ثم ذكر ابن الجوزي عدد كل سورة حسب الأقوال المذكورة [من ص 7352] .
واختار الطبرسي العد الكوفي وقال: «ان عدد أهل الكوفة أصح الأعداد وأعلاها إسنادا لأنه مأخوذ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام وتعضده الرواية الواردة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: فاتحة الكتاب سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم، وعدد أهل
المدينة منسوب إلى أبي جعفر يزيد بن القعقاع القاري، وشيبة بن نصاح وهما المدني الأول وإلى إسماعيل بن جعفر وهو المدني الأخير وقيل المدني الأول هو الحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمدني الأخير أبو جعفر وشيبة وإسماعيل والأول أشهر وعدد أهل البصرة منسوب إلى عاصم بن أبي الصباح الجحدري وأيوب بن المتوكل لا يختلفان إلا في آية واحدة في قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «فالحق والحق أقول» ، عدّها الجحدري وتركها أيوب وعدد أهل مكة منسوب إلى مجاهد بن جبر، وإلى إسماعيل المكي، وقيل لا ينسب عددهم إلى أحد بل وجد في مصاحفهم على رأس كل آية ثلاث نقط، وعدد أهل الشام منسوب إلى عبد الله بن عامر [مجمع البيان 1، 11] .