فالمظهر لبدعته أو الداعي إليها يتعدى ضرره إلى غيره فيجب كفه، والإنكار عليه ومعاقبته بما يردعه من هجر ونحوه، وأما المستتر فينكر عليه سرًا ويستر عليه وغايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله.
4 -وأهل السنة والجماعة يدعون لأهل البدع بالهداية والرحمة، مالم يعلم كفرهم:
وقد كان الإمام أحمد رحمه الله يدعو للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوا به، مع انهم كانوا يدعونه إلى خلق القرآن ونفي الصفات عن الله، وامتحنوه وسائر علماء وقته.
5 -وتشرع هجرة أهل البدع، ولكن بشرطين: الأول: أن يكون ذلك إخلاصًا لله تعالى وموافقة لأمره لا أن يكون ذلك لهوى النفس أو استيفاء من أحد أو لعداوة دنيوية، والثاني: أن يتحقق بذلك المصلحة الشرعية، اما إذا كان يترتب على الهجر ضرر أكبر فإنه يكون غير مشروع:
ويشير ابن تيمية إلى الشرط الأول مبينًا الفرق بين الهجر لحظ النفس والهجر لحق الله فيقول: واذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هى من الاعمال التى أمر الله بها ورسوله فالطاعة لابد أن تكون خالصه لله أن تكون موافقة لامره فتكون خالصة لله صوابا فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به كان خارجا عن هذا وما اكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله.
والهجر لأجل حظ الانسان لا يجوز اكثر من ثلاث كما جاء في الصحيحين عن النبى انه قال ... لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ... فلم يرخص في هذا الهجر اكثر من ثلاث، وفى الصحيحين عنه أنه قال ... تفتح أبواب الجنة كل أثنين وخميس فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئا الا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا فهذا الهجر لحق الانسان حرام وانما رخص في بعضه كما رخص للزوج ان يهجر امرأته في المضجع اذا نشزت وكما رخص في هجر الثلاث ... فينبغى ان يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه فالأول مأمور به والثانى منهى عنه لأن المؤمن أخوة وقد قال النبى في الحديث الصحيح ... لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخوانا المسلم أخو المسلم وهذا لأن الهجر من ... باب العقوبات الشرعية ... فهو من جنس الجهاد في سبيل الله وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هى العليا ويكون الدين كله لله والمؤمن عليه أن يعادى في الله ويوالى في الله فان كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وان ظلمه فان الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ الى أمر الله فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب القسطين انما المؤمنون أخوة فجعلهم أخوة مع وجود البغي.
كما يشير إلى الشرط الثاني بقوله رحمه الله: وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فان المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله فان كان المصلحة في ذلك