فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 937

وَذَكَرَ أَبُو الوَليدِ هِشَامٌ [1] حَدِيثَ:"لَيسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَر". فقَال: احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِأَنْ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ البِرِّ فَهُوَ إِذًا مِنَ الإثْمِ. قَال: ولَا حُجَّةَ في هَذَا؛ لأنَّ هَذَا خُصُوْصٌ خَرَجَ بِلَفْظِ العُمُوْمِ، وَإِنَّمَا قَالهُ - صلى الله عليه وسلم - في رَجُل رَآهُ وَهُوَ صَائِمٌ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيهِ وَهُوَ يَجُوْدُ بِنَفْسِهِ، وأَيضًا فَإِنَّ نَفْي النَّفْي لا يَلزَمُ مِنْه إِثْبَاتُ ضِدّهِ وخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَكَ: لَيسَ زَيد مِنَ الرِّجَالِ لا يُوْجِبُ أَنَّ زَيدًا خَارِجٌ مِنْ نَوْعِهِم، وإِنَّمَا أَرَادَ: لَيسَ في الكَمَالِ بِحَيثُ يَسْتَحِقُّ هَذَا الاسْمِ عَلَى الكَمَالِ، والعَرَبُ تُخْرِجُ الكَلَامَ مَخْرَجَ النَّفْيِ ويُرِيدُوْنَ أَنّه لَيسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَيَقُوْلُونَ: مَا قُلْتُ شَيئًا، أَي شَيئا يَجِبُ قَوْلُهُ، أَوْ شَيئًا يَنْتمعُ بِه، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] [2] : {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} ، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] [3] : {وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ} وَهُوَ قَدْ أَوْجَبَهُ بِقَوْلهِ: {إِذْ رَمَيتَ} فَفِي الحَدِيثِ على هَذَا وَجْهَان:

أحَدُهُمَا: لَيسَ مِنَ البِرِّ المُلْزِمِ الصِّيَامُ في السَّفَرِ، فَحَذَفَ الصِّفَةَ كَمَا قَال:"لَيسَ المِسْكِينُ بالطَّوَّافِ"أَي لَيسَ المِسْكِينُ الشَّدِيدُ المَسْكَنَةِ"."

والثَّاني: لَيسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ المُؤَدِّي إِلَى هَذ الحَالِ، فَفِي هَذَا الوَجْهِ حَذْفُ صِفَةِ الصّيَامٍ، وفي الأوَّلِ حَذْفُ صِفَةِ البِرِّ.

-وَذَكَرَ قَوْلهُ [تَعَالى] [4] : {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} . وَقَوْلَ عَلِي:"مَنْ أدْرَكَهُ الشَّهْرُ وَهُوَ مُسافرٌ فَعَلَيهِ عِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ، وَمَنْ أدْرَكَهُ وَهُوَ مُقِيمٌ فَعَلَيهِ"

(1) هو المؤلِّف نفسه.

(2) سورة المرسلات.

(3) سورة الأنفال، الآية: 17.

(4) سورة البقرة، الآية: 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت