الجواب: اعلم أن للعرب فيما جرى هذا المجرى من الكلام عادة معروفة ومذهبا مشهورا عند من تصفح كلامهم وفهم عنهم، ومرادهم بذلك المبالغة في النفى وتأكيده فمن ذلك قولهم: فلان لا يرجى خيره، ليسوا يريدون أن فيه خيرا لا يرجى وانما غرضهم أنه لا خير عنده على وجه من الوجوه. ومثله: قلما رأيت مثل هذا الرجل، وانما يريدون أن مثله لم ير قليلا ولا كثيرا.
وقال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود الدّيافىّ جرجر
يصف طريقا واردا بقوله: لا يهتدى بمناره، أنه لا منار له فيهتدى به، والعود: المسن من الابل، والدّيافى: منسوب إلى ديف وهى قرية بالشام معروفة، وسافه: شمه وعرفه، والجرجرة: مثل الهدير، وانما أراد أن العود إذا شمه عرفه فاستبعده وذكر ما يلحقه فيه من المشقة فجرجر لذلك.
وقال ابن أحمد:
لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضّبّ بها ينجحر
وقال آخر: «لا يغمز الساق من أين ولا وصب» أراد ليس بساقه أين ولا وصب فيغمزها من أجلهما. وقال سويد ابن أبى كاهل:
من أناس ليس من أخلاقهم ... عاجل الفحش ولا سوء الأدب
لم يرد أن في أخلاقهم فحشا عاجلا ولا آجلا ولا جزعا غير سيّئ، وانما أراد نفى الفحش والجزع عن أخلاقهم. ومثل ذلك قولهم: فلان غير سريع إلى الخنا، يريدون أنه لا يقرب الخنا لا نفى الاسراع حسب
وعلى هذا تأويل الآيات التى وقع السؤال عنها [150] .
وحين نقرأ ما ذكره الشريف المرتضى في قوله تعالى: {«وَقَالَتِ}
(150) أمالى المرتضى ج 1ص 164، 165.