وقد تكررت اشارات سيبويه إلى معانى الاستفهام. من ذلك قوله في باب ما جرى من الأسماء التى لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التى أخذت من الفعل: «وذلك قولك أتميميا مرة وقيسيا أخرى؟ وانما هذا أنك رأيت رجلا في حال تلون وتنقل فقلت: أتميميا مرة وقيسيا أخرى؟ كأنك قلت: أتحول تميميا مرة وقيسيا أخرى؟ فأنت في هذه الحال تعمل في تثبيت هذا له وهو عندك في تلك الحال في تلون وتنقل، وليس يسأله مسترشدا عن أمر هو جاهل به ليفهمه اياه ويخبره عنه ولكنه وبخه بذلك، وحدثنا بعض العرب أن رجلا من بنى أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطير منه فقال: يا بنى أسد، أعور وذا ناب؟ فلم يرد أن يسترشدهم ليخبروه عن عوره وصحته ولكنه نبههم كأنه قال: أتستقبلون أعور وذا ناب؟ والاستقبال في حال تنبهه اياهم كان واقعا كما كان التلوين والتنقل عندك ثابتين في الحال الأولى [45] .
وقد ذكر دلالة الاستفهام على التسوية وهو يتحدث عن دلالة النداء على الاختصاص وقاس خروج النداء إلى الاختصاص على خروج الاستفهام إلى التسوية. وهو هنا يحاول أن يربط بين المعنى الذى دل عليه الاستفهام والنداء وبين المعنى الأصلى لكل منهما، فهناك مناسبة بين الاستفهام الحقيقى والتسوية، كما أن هناك مناسبة بين النداء والاختصاص، وهذه محاولة مبكرة ولعلها من الأصول التى اعتمد عليها المتأخرون في اعتبار معانى الاستفهام من المجاز ثم جهدوا في بيان علاقاته.
يقول سيبويه: «هذا باب ما جرى على حرف النداء وصفا له وليس بمنادى ينبهه غيره ولكنه اختص، كما أن المنادى مختص من بين أمته لأمرك أو نهيك أو خبرك، فالاختصاص أجرى هذا على حرف النداء، كما أن التسوية أجرت ما ليس باستخبار ولا استفهام على حرف الاستفهام
(45) الكتاب لسيبويه ج 1ص 172