فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 744

سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت

ومن ذلك قول جميل:

وهل بثينة يا للنّاس قاضيتى ... دينى وفاعلة خيرا فأجزيها

ترنوا بعينىّ مهاة اقصدت بهما ... قلبى عشيّة ترمينى وأرميها

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... ريّا العظام بلين العيش غاديها

وهذا كله بيان لطريقة القوم في الحذف وأنهم اعتادوه في أساليب معينة، ثم تراه يقودك إلى الأفق البلاغى في الحذف ويكشف الحجب حتى يطلعك على سره متجاوزا هذا المجال النحوى بطريقته الفذة التى تستخرج من نفسك الحكم ولا تعول فيه الا على حسك.

يقول بعد ذكر الأمثلة التى أشرنا اليها وكثير مثلها:

«فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، واستقرها واحدا واحدا، وانظر إلى موقعها في نفسك، والى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم قلبت النفس عما تجد، وألطفت النظر فيما تحس به، ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك، وتوقعه في سمعك، فانك تعلم أن الذى قلت كما قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد» [119] .

وبهذه الطريقة التى تكشف بلاغة الحذف بالموازنة بين الحذف والذكر في المقامات المقتضية للحذف أخذ عبد القاهر يرشد إلى بلاغته ويبين قيمته وهو كما قلت: لا يقول لنا فيه كلاما صريحا وانما يرشدنا إلى أن نعود إلى أنفسنا وأن نوازن بين صورتين لندرك البلاغة بحسنا، ونقع على الحسن بأذواقنا.

ومن جيد ذلك قوله: «وان أردت ما هو أصدق في ذلك شهادة وأدل دلالة فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريما له قد ألح عليه:

(119) ينظر الاعجاز: ص 9996.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت