أبلغ يزيد بنى شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفكّ ناتكل
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الابل
تغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... عند اللقاء فتردى ثم تعتزل
ثم يقول:
لا تقعدنّ وقد أكّلتها حطبا ... تعوذ من شرّها يوما وتبتهل
ويزيد بنى شيبان سيد من سادات بكر، وكان قد أغرى رهط مسعود واخوته برجل من بنى سعد بن مالك ليأخذوه في دم لم يصبه فيهم وانما أصابه رجل من بنى كعب بن سعد وكلهم من بيوت قيس قوم الأعشى. وذلك لأن الرجل الذى أصاب الدم لم يكن محاذيا للمقتول في التقدم والسيادة، فغضب الأعشى من ذلك وهجا يزيد بنى شيبان وهدده وذكر أنه يضع في الفتنة، حتى إذا أهاج الشر اعتزله. وبلغ الدقة في وصف مسعاة يزيد بالوقيعة بين الأقوام، وهذا ما نراه أصلا لقوله هناك «كما يمشى الوجى الوحل» لأن دبيب يزيد في هذا الشأن دبيب على أرض غليظة وعرة ثم انه يورثه الحفا والوجع ثم انه خوض في الطين والوحل، ثم تأمل الأبيات والأبيات قبلها، وذكر العلاقات الانسانية والسخرية منها والمحبول والمحتبل، يشف لك التأمل عن مناسبة واضحة واتساق بين العناصر وتلاقى النغم الخفى بين الصور وهذا من لطائف صنعة الشعر.
والمألكة: الرسالة. والائتكال: افتعال من أكل وفيه مزيد معاناة ومبالغة في بيان السعى والوقيعة وأكل لحوم الأقوام. ونحت الأثلة: مجاز عن تنقصهم ورميهم والنيل منهم، والأثلة: واحدة الأثل وهو شجر عظيم قوى، والنحت: الحت وهو مستعار للتنقص والاساءة والطعن، وهذا يعنى أن يزيد كان قائما في هذا الباب يروح ويجيء ويسعى ويشق على نفسه وقد قال الأعشى:
لا تقعدنّ وقد أكّلتها حطبا ... تعوذ من شرّها يوما وتبتهل
وقوله «تقعدن» يعنى أنه قائم في هذا الأمر جاد لا ينى، وتأمل المناسبة بين «أكلتها» و «تأتكل» في البيت قبله، وتأمل المناسبة بين «تعوذ من شرها يوما وتبتهل» وصلته بقوله «محبول ومحتبل» لأن عوذه من شرها يعنى أنه يسقط فيها وهذا هو المحبول أى الذى يسقط فى
حبالة والحبالة هنا من صنع يديه، وقد هجا يزيد بنى شيبان بقصيدة ثانية لم يذكر فيها سعيه بالبغضاء وانما كانت المجاهرة بالحرب وقد بدأها بذكر «هريرة» وقال «هريرة ودّعها وان لام لائم» وكأن الأعشى كان يصطنع خصائص أسلوبية خاصة في سياقات خاصة، وهذا أيضا من باب المناسبة.